​​​

نبذة مختصرة عن تاريخ مصر عبر العصور:


أطلق أهل مصر القديمة على بلادهم اسم "كيميت"، وتعني الأرض السوداء كناية عن وفرة الرواسب الطينية التي يرسبها النيل على جانبي مجراه وفي دلتاه خلال مواسم فيضانه، والتي أسهمت في خصوبة التربة وتجددها كل عام. وأضافت الحضارة المصرية القديمة الكثير إلى التراث الإنساني العالمي؛ فقد شهد وادي النيل إنشاء أول سلطة مركزية في التاريخ، بالإضافة إلى معرفة الكتابة والمساهمة في ابتكار عديد من العلوم منها الحساب والهندسة والطب والفلك، ومعرفة التقويم، والتفكير في البعث بعد الموت والثواب والعقاب.

وقد نمت في مصر البذور الأولى في الفن والدين والإدارة والكتابة واللغة في العصر الحجري الحديث، الذي يمثل آخره مرحلة العصر الحجري النحاسي 4500-3200 ق.م، وسُمّي كذلك لأن المصري تعرّف استخراج النحاس من فلذاته واستخدمه في صناعة أدواته إلى جانب الحجر، وقد سادت في هذا العصر حضارتان الأولى في أقصى جنوبيّ مصر بالصعيد، والثانية قامت في شماليّ مصر، وقد تُوّج ملوك كل مملكة بتاج خاص بمملكتهم، إلى أن سعت مملكة الصعيد إلى تحقيق الوحدة مع مملكة الدلتا، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، خاضت حروباً قاسية، توجت بالوحدة بين البلدين، وهكذا توحدت مصر في 3200 ق.م وأصبح نارمر أو مينا هو أول ملك في أول أسرة مصرية حاكمة، وليبدأ بذلك عصر الأسرات وأوله الدولة القديمة أو ما يعرف بعصر بناة الأهرامات، مروراً بالدولة الوسطى وانتهاءً بالدولة الحديثة التي تعد أقوى وأزهى عصور مصر القديمة وشهدت ملوك مثل أحمس وحتشبسوت وإخناتون وتوت عنخ آمون ورمسيس الثاني.

استطاع الفرس السيطرة على مصر بقيادة الملك قمبيز عام 525 ق.م، وفي عام 333 ق.م هزم الإسكندر المقدوني الفرس في معركة إيسوس، ودخل مصر في السنة التالية، فرحب به المصريون؛ لأنه خلصهم من الحكم الفارسي. بعد موت الإسكندر عام 323 ق.م، اقتسم قواده إمبراطوريته، وكانت مصر من نصيب القائد «بطلميوس». وبذلك تأسست أسرة حاكمة جديدة بمصر هي أسرة البطالمة والتي استمرت تتوارث الحكم حتى الاحتلال الروماني لمصر عام 30 ق.م، واستمرت مصر ولاية رومانية يحكمها والٍ روماني حتى عام 18هـ/639م، حين فتحها العرب المسلمون بقيادة عمرو بن العاص.

تحولت مصر منذ ذلك الحين إلى ولاية إسلامية وانتقلت إلى الحكم الأموي ومنه إلى العباسي حيث نشأت في مصر الدولة الطولونية سنة 869م بقيادة أحمد بن طولون، ثم دخلها الفاطميون لاحقاً وأسسوا مدينة القاهرة والجامع الأزهر. وبعد وفاة آخر خليفة فاطمي بأعوام قليلة أصبح صلاح الدين الأيوبي سلطاناً على مصر مؤسساً بذلك الدولة الأيوبية التي قادت عدة معارك ناجحة ضد الحملات الصليبية في الشام والقدس. وبعد وفاة السلطان نجم الدين أيوب استأثر المماليك بحكم مصر، وهم ينتمون إلى أعراق مختلفة وإن كان أكثرهم من الأتراك والشراكسة، حيث ظلوا في حكم مصر حتى عام 1517م عندما دخلها العثمانيون وأصبحت ولاية تابعة للدولة العثمانية حتى إعلان الحماية البريطانية عليها سنة 1914، وهي فترة طويلة تخللها عدد من الأحداث الكبرى أبرزها الحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1801)، ثم تولي محمد علي باشا ولاية مصر عام 1805، حيث شرع في تأسيس الدولة الحديثة، وقد شهدت فترة حكمه صراعات طويلة مع السلطان العثماني انتهت باتفاقية لندن عام 1840 والتي أٌقرت بولاية أكبر أبناء أسرة محمد علي باشا على حكم مصر.

أُعلنت الحماية البريطانية على مصر مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث قامت بريطانيا بعزل الخديوي عباس حلمي الثاني والي مصر في ذلك الوقت، ونصّبت مكانه عمه السلطان حسين، والذي اتخذ لقب سلطان للتأكيد على الانفصال التام عن السلطان العثماني، ثم خلفه أخاه أحمد فؤاد والذي حصلت مصر في عهده على استقلال اسمي من بريطانيا بموجب إعلان 28 فبراير 1922 ليتخذ بعدها لقب ملك مصر والسودان، واستمر بذلك حكم الأسرة العلوية في مصر إلى أن تحرك الجيش المصري عام 1952 لإجبار الملك فاروق على التنازل عن العرش لصالح ابنه أحمد فؤاد الثاني، وقد أعلنت حركة الضباط الأحرار بقيادة اللواء محمد نجيب بعدها عن إلغاء النظام الملكي وتأسيس الجمهورية عام 1953.

وخلال عقديّ الخمسينيات والستينيات شهدت البلاد مرحلةً جديدة من الانطلاق الوطني تميزت بإعطاء أولوية لقضايا العدالة الاجتماعية والتعليم والتصنيع، بالتزامن مع تصاعد الدور المصري إقليميا في محاربة الاستعمار والتأكيد علي حق الشعوب في تقرير مصيرها. وكان للزعيم جمال عبد الناصر دور هام في مؤتمر باندونج بإندونيسيا عام 1955 والذي شهد النواة الأولي لتأسيس حركة عدم الانحياز في ذروة اشتعال الحرب الباردة بين قطبيّ العالم آنذاك الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية. كما كان الدور المصري حجر زاوية في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 (الاتحاد الأفريقي فيما بعد) تتويجا لتطلعات الشعوب الأفريقية في تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية، جنبا إلي جنب مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وكان إعلان الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 إيذانا بميلاد لحظة مفصلية في حياة المصريين الذين دافعوا عن هذه الخطوة باستماتة في مواجهة العدوان الثلاثي في أكتوبر 1956 الذي حاول النيل من الإرادة المصرية ووأد المشروع المصري بالتحرر من سطوة الاستعمار في مهده. ولم تثن المعارك الخارجية صانع القرار المصري آنذاك عن بلورة أطر مؤسسية تعكس تطور الحياة السياسية في مصر، كان أبرزها تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1962 كتنظيم يقود الحياة السياسية المصرية.

ورغم مرارة الهزيمة في 5 يونيو عام 1967، إلا أنها لم تفتّ  في عضد الشعب المصري الذي سطر بدمائه الذكية ملحمة تاريخية جديدة، حين تمكن في غضون سنوات قليلة من قلب معادلة القوة الإقليمية عبر الانتصار التاريخي في حرب أكتوبر 1973 بقيادة الرئيس أنور السادات. وشهدت تلك الفترة إصدار دستور 1971، مع تبني سياسة اقتصادية انفتاحية لتعويض ما خسرته مصر من موارد هائلة إبان سنوات الحرب، كما تبني الرئيس السادات قرارا بتدشين منابر في إطار الاتحاد الاشتراكي تعبر عن التوجهات السياسية الرئيسية (يمين – يسار – وسط) والتي كانت مدخلا للتعدد الحزبي الذي عرف طريقه للحياة السياسية المصرية خلال السنوات التالية. واكتملت الرؤية المصرية الثاقبة بتوقيع اتفاق السلام عام 1979 بين مصر وإسرائيل، وقد تمخض عن ذلك استعادة كامل التراب الوطني بجلاء آخر جندي إسرائيلي عن سيناء في 25 أبريل عام 1982، لتطوي مصر صفحة الحرب وتفسح المجال للذراع الدبلوماسي الذي سجل رجاله صفحة ذهبية في كتاب التاريخ المصري الحديث بالنجاح في استعادة طابا عبر التحكيم الدولي، ليقوم الرئيس الأسبق حسني مبارك برفع العلم المصري علي طابا عام 1989 وهو نفس العام الذي شهد استعادة مصر لعضويتها في جامعة الدول العربية بعد عشر سنوات من العزلة عن المحيط العربي. وخلال فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك اتسم المشهد السياسي المصري بالحراك والديناميكية الشديدة مع توسع إطار التعدد الحزبي، وتزايد عدد منظمات المجتمع المدني والتوسع الكبير في النوافذ الإعلامية ما بين صحف، وقنوات فضائية، وصولا إلي مواقع التواصل الاجتماعي، كما اتسمت السياسة الخارجية المصرية بالزخم والنشاط علي الصعيد العربي، لاسيما مع دول الخليج العربية، فضلا عن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية كشريك استراتيجي، والاتحاد الأوروبي كشريك اقتصادي.

وفي الخامس والعشرون من يناير عام 2011 انتفض المصريون مطالبين بمستقبل أفضل، في حالة ثورية انحني لها العالم احتراما، إلا أن هذا المسعي سرعان ما واجه منعطفا خطيرا، في محاولة فصيل بعينه الانقضاض علي طموح شعب بأكمله، مما حتّم أن يصطف المصريون جميعهم أمام محاولات طمس الهوية المصرية وإذابة جذورها الوطنية. فما لبث أن قال الشعب المصري كلمته القاطعة يوم الثلاثين من يونيو عام 2013، معلنا انحيازه التام لمؤسسات الدولة الوطنية بما تمثله من هوية راسخة تضرب بجذورها في عمق التاريخ، رافضا محاولات فرض رؤية أيديولوجية لجماعة خارجة عن الإطار الوطني العام.

ومرت مصر بمرحلة انتقالية عقب ثورة الثلاثين من يونيو في ظل رئاسة الرئيس عدلي منصور، حيث قدمت مصر نموذجا فريدا في إرساء الاستقرار عبر المراحل المختلفة لتنفيذ خارطة الطريق لعام 2013، ليتم وضع دستور جديد للبلاد بالاستفتاء عليه مطلع عام 2014، والذي يعد من بين أكثر الدساتير المصرية تقدما. ومع انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد منتصف عام 2014، وتشكيل مجلس النواب الذي يعد الأكثر تمثيلا للنساء والأقباط والشباب في تاريخ الحياة النيابية المصرية، شرعت مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة في عملية تنموية شاملة اكتسبت زخما كبيرا من خلال المشروعات الوطنية الكبري التي تشمل مختلف المجالات الزراعية والصناعية والمجتمعية. وكان علي رأس تلك المشروعات مشروع قناة السويس الجديدة والذي تم افتتاحه في احتفالية عالمية ضخمة عام 2015، والإعلان عن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، فضلا عن الانفتاح الذي اتسمت به السياسة الخارجية المصرية علي العالم الخارجي للاستفادة من كافة التجارب وبناء شراكات استراتيجية مع أطراف دولية جديدة. ويتواصل العمل ليل نهار لتنفيذ الرؤية التنموية الشاملة لمصر، مع تبني حزمة من الإجراءات الاقتصادية غير المسبوقة لمعالجة تشوهات جسيمة لحقت بهيكل الاقتصاد المصري، أملا في وضع اللبنات الأساسية لنهضة وطنية شاملة سيجني المصريون ثمارها في المستقبل القريب.