شاهـــــد علــى حرب أكتوبر
 
المصدر:  مجلة الدبلوماسى
تاريخ الصدور:   27/05/2010
 
 
 
 


                                                       بقلم السيد: أحمد أبو الغيط

 

شاهـــــد علــى حرب أكتوبر

 الجزء الأول:24 ساعة حاسمة فى حياتى مع محمد حافظ إسماعيل

الجزء الثانى : مصر والانتصار فى معركة أكتوبر - المقدمات والنهايات

الجزء الثالث: الاقتراب من المعركة، أزمات فى الأسبوع الأول من الحرب

الجزء الرابع: أزمات الفترة من 13 – 21 أكتوبر واستمرار تناسق العمل العسكرى والدبلوماسى

الجزء الخامس: أزمة الاختراق الإسرائيلى لغرب القناة والقبول بمطلب وقف إطلاق النار

الجزء السادس شاهد على الحرب

الجزء السابع: الأزمة الصعبة للأسبوع الأخير للحرب

الجزء الثامن: أزمـة ما بعد صدور القرار 338

الجزء التاسع: شاهد على الحرب

 

 

الجزء الأول:24 ساعة حاسمة فى حياتى مع محمد حافظ إسماعيل

كنت أسير صباح السبت 67 أكتوبر 73، ذلك اليوم المشهود فى تاريخ مصر الحديث مع أحد أصدقاء العمر الأخ العزيز أحمد ماهر السيد، نتحدث فى هدوء فى حديقة "قصر عبد المنعم"، وهو فى الحقيقة فيلا صغيرة تقع فى منطقة مصر الجديدة بالقرب من شارع القبة، ويطل عليها الكثير من المنازل السكنية، وقد لاحظنا أن الكثير من المواطنين يراقبوننا من شققهم وينظرون إلينا بالكثير من الاهتمام بسبب هذا الظهور المفاجئ لبعض رجال الحرس الجمهورى فى حديقة الفيلا وحولها، وظهور عدد كبير من الموظفين المدنيين وما صاحب كل هذا الظهور من ضجيج لعمال نظافة وآخرين يصلحون أسلاك تليفونية أو يحاولون استبدالها بجديدة قادرة على تحقيق الاتصال الجيد بهذا "القصر" وتمكينه من أن يستخدم مقراً لإقامة طاقم مستشار الأمن القومى المصرى، السيد محمد حافظ إسماعيل، والذى كان مطلوباً منه وقتذاك أن يساعد الرئيس السادات فى إدارة الشق السياسى الدبلوماسى لضربة أكتوبر 73.

كنت وأحمد ماهر السيد نتناقش عما نعد له وما يمكن أن يسفر عن هذا العمل العسكرى القادم الذى أعددنا له وشهدنا التحركات الدبلوماسية والسياسية الموازية له والمتسقة معه. وكان ينتابنا فى هذا اليوم الكثير من الترقب... وربما الوجل لما هو قادم أو غير قادم... لأننا ومع كل إطلاعنا على الجهد المبذول والتحضيرات الجارية والإعداد المتعمق لكل شىء، وكان هناك الكثير فعلاً مما جرى الإعداد له وشاركت فيه كل منظومة الأمن القومى وعناصره العاملة مع حافظ إسماعيل (مجموعة طيبة من شباب مصر من الدفاع/ المخابرات العامة/ الداخلية/ الخارجية) فإننا لم نكن على ثقة كاملة بأن العمل العسكرى فعلاً قادم وأننا على وشك الوثوب على خط بارليف وبدء عملية عسكرية كبرى تضع مصر فيها كل قدراتها وقد تسفر عن نجاح عسكرى وسياسى ودبلوماسى كبير أو خسارة فادحة تأخذ مصر إلى وضع متردى غير مسبوق فى تاريخها طوال القرن العشرين.

لقد كانت مقامرة كبيرة اعد لها بكل الحنكة والاقتدار وتم التكتم عليها وتحقيق الخداع الاستراتيجى لها بمهارة عالية... وأقول مقامرة لأن حقيقة الأمر أنه ورغم أن مصر حشدت مئات الآلاف من أبنائها لهذا العمل العسكرى الكبير إلا أننا يجب أن نعترف أن إسرائيل كانت عندئذ تتفوق على مصر وسوريا من حيث إمكانيات السلاح وبخاصة القوات الجوية وذلك فى ضوء الإمداد الأمريكى الغزير لها بهذه الأسلحة.... إلا أن الإستراتيجية المصرية/ السورية المشتركة فرضت على إسرائيل أن تقاتل على جبهتين احدهما فى أقصى الشمال والأخرى على جهة قناة السويس مما فرض عليها توزيع قواتها وإمكانياتها وبذا عدم إمكانية التعرض لطرف عربى واحد وفقدان التفوق الإسرائيلى فى نهاية المطاف.

ورأينا سيارة السيد/ حافظ إسماعيل وهى تقترب من البوابة الخارجية للقصر، وكانت سيارة مرسيدس سوداء، موديل أواخر الستينات ثم رأينا حافظ إسماعيل بقوامه الممشوق ووجهه الجاد والحاد يخرج متجهاً وبسرعة إلى الفيلا لكى يتسلق سلالمها ويدلف إلى داخلها. وقال لى أحمد ماهر... ألا تلاحظ شيئاً يا أحمد... فقلت ماذا؟... جديته الصارمة أم السرعة التى دخل بها إلى القصر متجاهلاً اثنين من معاونيه المباشرين (ماهر وأبو الغيط) الواقفان بالحديقة؟... والمؤكد أنه لاحظ وجودهما. فقال ماهر... أنه يمسك بأصابعه بسيجارة ونحن فى شهر رمضان؟... ما هذا الخطب الكبير الذى يجعله يفطر فى هذا اليوم ... وأسرعنا سوياً للدخول إلى القصر لكى نبدأ يوماً من العمل فى هذا المقر الجديد لنا والذى شغلناه فقط فى مساء اليوم السابق 5 أكتوبر والذى لم نكن على إطلاع بدهاليزه وحجراته وأرقام تليفوناته الداخلية والخارجية وغير ذلك من احتياجاتنا.

ورأينا الدكتور عبد الهادى مخلوف مدير مكتب مستشار الأمن القومى يتحرك فى طريقه إلى الدخول إلى مكتب حافظ إسماعيل بالدور الثانى للفيلا.. ويغيب نصف ساعة ثم يخرج قائلاً لماهر ولى، "المستشار" يرغب فى رؤيتكما (وكنا نطلق على حافظ إسماعيل اسم المستشار)، فأخذت نوتة صغيرة لكى أكتب عليها ما قد يرغب فى التوجيه به ودخلنا مسرعين لكى لا نتركه ينتظر طويلاً.

وأجدنى اليوم أتذكر وبصفاء أنه، أى حافظ إسماعيل، وقد خلع جاكت البدلة وتحدث إلى ماهر قائلاً... أرجو أن ترسل يا ماهر هذا المظروف المغلق إلى الدكتور أشرف غربال، مساعد مستشار الأمن القومى، والذى كان مكلفاً بالتغطية الإعلامية عندئذ للنشاطات القادمة ومتطلبات إدارة الأزمة ومع تركيز محدد على الولايات المتحدة والقوى الغربية الأوروبية الأخرى، وأضاف حافظ إسماعيل، أن الدكتور أشرف يتواجد حالياً مثلما تعلمان فى مبنى التليفزيون المصرى بماسبيرو ولكى يدير المواجهة الإعلامية من هناك مؤكداً على ماهر أن لا يقوم أشرف غربال بفتح المظروف قبل سعت 1330 من هذا اليوم المشهود وأن يأمر الإذاعة والتليفزيون، بإذاعة محتوياته مشيراً إلى أنه سوف يقوم بالتحدث تليفونياًَ مع الدكتور غربال لترقب وصول هذا المظروف المغلق... وكان الوقت عندئذ حوالى سعت 1030 أو قبل ذلك بقليل. ومضى حافظ إسماعيل يقول لنا (أحمد ماهر السيد وأنا) يوجد بالمظروف "بيان" مصرى صادر عن قيادة القوات المسلحة المصرية بأن الطيران الإسرائيلى قام سعت 1330 اليوم بمهاجمة مواقع مصرية بالبحر الأحمر وعلى الجبهة المصرية وأن القوات المسلحة المصرية قد قامت بالرد على كامل المواجهة بعمليات عسكرية مضادة... واستفسر ماهر عما إذا كانت العمليات من جانبنا ستبدأ سعت 1330... فعلاً وهى سعت فتح المظروف وإذاعته بالتليفزيون والراديو... فأجاب مستشار الأمن القومى، أن مصر ستقوم بعملياتها العسكرية ابتداءاً من سعت 1405... فأكد أحمد ماهر أنه يستشعر بعض القلق وعدم الفهم لأننا بذلك نكشف للعدو نوايانا قبل نصف ساعة من بدء العمل المصرى العسكرى المسلح ضد إسرائيل فى سيناء، ففكر حافظ إسماعيل لبرهة فى الأمر وقال له لديك حق.. فليكن الإعلان المصرى بعد سعت 1400 وليس قبلها.

خرجت من حجرة مكتب حافظ إسماعيل وينتابنى قلق عميق على بلادى.. وعلى أصدقائى من العسكريين وعلى كل مستقبلنا شاعراً بخشية حقيقة من أن يتكرر ومرة أخرى هذا اليوم التعيس الأسود فى تاريخنا الحديث وهو يوم 5 يونيو 67 وتوابعه من مذلة وضعف لنا جميعاً وأخذت أطمئن نفسى بأن قواتنا المسلحة قد أعدت نفسها إعداداً جيداً وأن ضربة يونيو لنا غير قابلة للتكرار وأن هذه المرة سنقوم نحن بمفاجأة العدو وقد تدربنا تدريباً شاقا وتعلمنا من الدروس المستفادة للهزيمة وجهزنا جيشناً تجهيزاً مناسباً. والتقيت مع خروجى من المكتب بالسيد عبد الفتاح عبد الله وزير الدولة عندئذ الذى كان سيقيم معنا بالقصر ولكن بمهمة مساعدة الرئيس السادات الموجود بقصر آخر أكثر رونقاً وجمالاً، إلا وهو قصر الطاهرة، ولم أكن أعلم بالمهمة التى كُلف بها وسبب إقامته معنا وإن كانت الأيام التالية للمعركة قد أوضحت أن الرئيس السادات كان يريده لحضور كل جلسات العمل واللقاءات والمقابلات التى سيجريها بالطاهرة أثناء العمليات العسكرية القادمة وما يصحبها من عمل دبلوماسى وسياسى. ويجب أن أوضح هنا أن الدور الثانى للقصر كان به حجرتى نوم إحداهما خصصت لحافظ إسماعيل والأخرى للسيد عبد الفتاح عبد الله ...أقول ة أة

حيّانى عبد الفتاح عبد الله تحية صارمة كعادة كل العسكريين عندما يقتربون من حدث كبير... وقد رأيت ذلك كثيرا فى حياتى من والدى اللواء طيار على أحمد أبو الغيط... ومضى فى طريقه قائلا  للدكتور عبد الهادى مخلوف الذى كان يقف بالصالة المطلة على كل حجرات الدور الثانى... سوف أذهب يا مخلوف إلى الطاهرة للقاء الرئيس.

ومع القلق الذى انتابنى خشية من هذه الذراع الطويلة لإسرائيل والتى كنت استشعر إننا ورغم كل الإعداد وحرب الاستنزاف وحائط الصواريخ إننا قد نتعرض لها مرة ثانية... فقد أحسست إحساساً غير مريح بأن وجودنا فى هذا الموقع يعكس خشيتنا من تعرض مكاتبنا الرئيسية فى قصر عابدين للهجوم عليها إلا أن ما ضايقنى ولم استشعر الراحة تجاهه أن الرئيس السادات قرر الإقامة فى قصر الطاهرة بمصر الجديدة ... بالقرب من مراكز قيادة عمليات الجيش فى صحراء مصر الجديدة ومدينة نصر .... ووددت أن أراه بدلاً من ذلك فى موقع أو مكان للإقامة أكثر تواضعا... وقد كشفت الأيام التالية أن اختيار الرئيس لهذا الموقع جاء على أساس رغبته أيضا فى إجراء مقابلات سياسية ودبلوماسية عالية المستوى مع رؤساء الدول أو سفرائها الذين قد يحتاج الأمر الالتقاء بهم أثناء فترة هذا الصدام المسلح... ولقد قرأت خلال الأيام التالية الكثير من مقابلات الرئيس السادات مع سفراء الدول وفى مقدمتهم بريطانيا/ إيران/ فرنسا وروسيا.. وقد سجلها عبد الفتاح عبد الله كلها وكثيراً ما كلفت من د. مخلوف بالإشراف على كتابتها وموافاة الجهات المختلفة بالدولة بها. وكانت مقابلات تعكس ثقة الرئيس وإيمانه بما سوف تقوم به مصر من عمل عسكرى واثقاً بأنه سبق العدو إلى "الحشد" وبالتالى لن يستطيعون اللحاق بنا. على أى الأحوال سألنا  الدكتور مخلوف... هل قال لكما المستشار ما سوف يجرى خلال ساعات... وأجبنا بنعم... فقال علينا إذن أن نعد أنفسنا... ثم طلب أن نجتمع جميعاً... أعضاء هيئة المكتب... فاروق بركه/ إيهاب وهبة... أحمد ماهر... أحمد أبو الغيط.. ماهر خليفة... صلاح شعراوى... جمال بركات، وغيرهم من هذه المجموعة المتميزة من العاملين فى حقل الأمن القومى لتوزيع المهام والمناوبات والعمل خلال الساعات الـ 24 لليوم... مع تنظيم الاتصالات وأسلوب عرض التقارير وتعليمات استخدام التليفونات والأسماء الكودية للشخصيات الرئيسية للدولة والتى أعدها مساعد أخر لمستشار الأمن القومى السفير المتميز عثمان نورى... وجلسنا ننتظر... والكل يقرض أظافره... ويترقب....

ومرة أخرى أقول أن القلق كان يعتصرنى الأمر الذى سجلته فى يوميات كنت استشعر أهمية كتابتها لتسجيل هذه الأيام الحاسمة فى تاريخنا.... وكنت قد سجلت عدة فقرات مساء يوم 5 أكتوبر وبعد احتلالنا لموقعنا فى القصر... بقولى سعت 2145.... "من الواضح أن شئون التنظيم ضعيفة للغاية ولم نكلف حتى الآن بأى مهام... ولا أستشعر التفاؤل وأخشى أن يتعرف العدو على تحضيراتنا خاصة وأن الكثيرين الآن يطلعون على نيتنا فى توجيه الضربة"... ثم كتبت أيضاً "أننا يجب أن نبدأ فوراً وإلا فسوف يجهضنا العدو"... "حاولت النوم ولكننى قلق للغاية ... وواضح أننى عصبى جداً"... كان هذا ما سجلته مثلما سبق القول فى يوميات للحرب مساء يوم 5 أكتوبر... على أى الأحوال مضينا ننتظر... ومرت الساعات والدقائق وكأنها دهراً... وما جاءت سعت 1400 إلا وانطلق البيان الأول والذى سبق أن أرسله حافظ إسماعيل إلى أشرف غربال لكى يذاع حسب الاتفاق من الراديو والتليفزيون...

وفى خلال هذه الساعات الثقيلة بدأت الأمور تتحسن تدريجياً من حيث قدرتنا على إجراء اتصالات تليفونية والنجاح فى الحصول على إمكانيات للاتصالات لم تكن متوافرة فى الدولة المصرية عندئذ والتى كانت أجهزة تليفوناتها وغيره فى حالة يرثى لها.

وبدأت العمليات بالضربة الجوية، وتبعتها واتسق أيضاً معها قصفات المدفعية عبر القناة وكتبت فى اليوميات....

"لا أصدق السرعة التى يتم بها العبور رغم حجم القوات... التقارير المتواردة إلينا من الجيش تقول أن تواجد القوات حالياً هو فى حدود 2000 ياردة... وتقديرى أنه يجب توسيع العمق وإلا فسوف يهدد العدو رأس الكوبرى... رد فعل العدو لن يأتى إلا غداً الأحد أو حتى الاثنين 8 أكتوبر الجميع بدأ يستشعر التفاؤل إلا أننى كنت من جانبى أخذ جانب الحذر وهو النهج الأنجح فى مثل هذه الصدامات المسلحة".

والحقيقة أنه كان لى أسبابى ومبرراتى لهذا القلق الحاد وحيث كانت وكالات الأنباء قد نقلت من سوريا يوم 4 أكتوبر أن الروس يقومون بترحيل عائلات الخبراء من دمشق وبأسلوب ظاهر وبشكل كامل للعيان، كما أن السفير الروسى بالقاهرة حضر لمقابلة حافظ إسماعيل يوم 4 أكتوبر ظهراً وحيث طرح عليه استفساراً مباشراً وبتعليمات من موسكو عما إذا كانت مصر وسوريا سيقومان بكسر وقف إطلاق النار مع إسرائيل. واعتقد أن حافظ إسماعيل وقد فوجئ بالسؤال فكر ملياً على حد قول زميلى فاروق بركة الذى سجل المقابلة... وبعد صمت استغرق ما يقرب من نصف دقيقة قال للسفير الروسى بأنه ينصح أن يتحدث السفير مع الرئيس السادات غداً فى الموضوع... وتقديرى أن حافظ إسماعيل كان يحاول إخفاء الأمر وخداع الجانب الروسى حول توقيت العمليات. من هنا كانت خشيتى من انكشاف تحضيراتنا ومن ثم احتمال تعرضنا لضربة إجهاض إسرائيلية.

إلا أن السفير الروسى الذى كان على اطلاع كبير وعميق بالشأن المصرى وما يدور فى مصر من تدابير... أبلغ موسكو بما يرصده... من هنا عاد فى اليوم التالى الجمعة 5 أكتوبر حاملاً رسالة من القيادة الروسية إلى الرئيس السادات ... ولاحظت أن الترجمة العربية المصاحبة لها كانت تتسم بالركاكة الشديدة وبشكل فاجأنى كثيراً لما كنا نعلمه من تمكن الكثير من الدبلوماسيين الروس باللغة العربية ... على أى الأحوال جاءت الرسالة لكى تحذر مصر من مغبة العمل العسكرى ضد إسرائيل، وأن القدرات المصرية غير متكافئة مع قدرات إسرائيل وان مصر قد تعرض نفسها لهزيمة جديدة ساحقة إذا ما مضت مع سوريا فى الهجوم على الجيش الإسرائيلى المتحصن فى خط بارليف... وأن أى هزيمة ستؤدى إلى وضع يصعب لمصر عندئذ تجاوزه.

من هنا ولكل تلك الأسباب ... كان قلقى الحاد وتشاؤمى الشديد... ولا شك أن كتابات العسكريين الإسرائيليين وما صدر عن إسرائيل بعد الحرب، يكشف أن قلقى كان له مبرراته إذ وصلت التقارير المخابراتية للإسرائيليين يوم 5 أكتوبر وفجر 6 أكتوبر بما يؤشر إلى أن مصر وسوريا على وشك توجيه الضربة العسكرية وكسر وقف إطلاق النار وإن على إسرائيل أن تتحرك وفوراً وإلا تعرضت لخسائر فادحة من العرب.

واستقر رأى الإسرائيليين وقتذاك على انتظار الضربة العربية القادمة مثلما يرصدونها إن وقعت فعلاً ثم الرد عليها... وكان هذا هو نفس الخطأ القاتل الذى وقع فيه الرئيس عبد الناصر عندما قرر تلقى ضربة إسرائيل فى يونيو 67 وعدم البدء بالأعمال المسلحة من ناحية مصر.

على أى حال ذهبت فى نهاية نوبتجية اليوم السبت (6أكتوبر) سعت 2300 للنوم فى منزلى بمصر الجديدة تاركاً مجموعة أخرى من الزملاء يعملون مع السيد/ حافظ إسماعيل بالقصر... ويجب أن أقول هنا أنه وطوال هذه الساعات الطوال منذ سعت 1400 يوم 6 أكتوبر وحتى موعد المغادرة إلى منزلى فى مصر الجديدة كان حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومى فى اتصال دائم إما مع الرئيس السادات لإخطاره بكل وقائع تطورات الوضع الدولى والسياسى، خاصة الاتصالات الواردة من الأمريكيين أو الاتصالات مع الدكتور محمد حسن الزيات وزير الخارجية الذى كان متواجداً فى نيويورك وتلقى من كسنجر هذا الاتصال الشهير فجر يوم 6 أكتوبر بتوقيت الولايات المتحدة طالباً طمأنة مصر من عدم وجود نوايا إسرائيلية ضد قواتنا المسلحة وذلك فى ضوء ما وصل إليهم من معلومات بأن مصر تحشد قواتها على خط الجبهة ... وهى الرسالة التى نقلها حسن الزيات إلى حافظ إسماعيل، ربما فى نفس توقيت بدء العمل العسكرى المصرى عبر القناة.

وأقول أن حافظ إسماعيل كان يمارس دوره بقدر كبير من الهدوء والسيطرة والتيقظ وبشكل أكد لدى خبرته الكبيرة وتجربته العريضة ويجب أن أعترف هنا أنه ورغم صغر سنى ودرجتى بالمقارنة به فقد كان لى معه الكثير من الأحاديث والمناقشات التى تناولت تجارب الدول ومسئوليها فى حروب متعددة وفى مقدمتها الحرب العالمية الثانية والتى كان لحافظ إسماعيل كتابات فيها أمتعتنى كثيراً فى سنوات الخمسينات وقبل خدمتى تحت رئاسته فى السبعينات... وأقول أن قراءته للتاريخ العسكرى والإستراتيجية العامة للدول التى دخلت هذه النزاعات التاريخية كان لها ولا شك تأثيرها فى أسلوبه المتعمق فى أدائه لمسئولياته ومثلما تتطلبها المواقف.

على أى الأحوال استيقظت مبكراً جداً صباح الأحد 7 أكتوبر... وأسرعت بالمرور على أحمد ماهر الذى كان يجمعنى معه سيارة خدمة واحدة وذهبنا إلى قصر عبد المنعم ... وأخذت أطالع تقارير المساء والصباح المبكر وأصدقكم القول أن شغلى الشاغل كان فى التفكير فيما سيفعله سلاح الطيران الاسرائيلى بقواعدنا الجوية وبقواتنا فى الجبهة...

وأخذت أقرأ تقارير الليل وفجر اليوم التالى (7 أكتوبر) وبدأت الطمأنينة تدخل قلبى... لقد حاول الطيران الإسرائيلى ضرب قواعدنا الرئيسية... وتصدت له مقاتلاتنا التى كانت تنتظره ودارت معارك... وفقد الإسرائيليون المبادأة... وقدرة السيطرة على سماء مصر... وكتبت فى اليوميات...

           * خسائر القواعد الجوية غير محسوسة وقواتنا الجوية ذات تأثير كبير...

           * رؤوس الكبارى لا زالت ضيقة جداً وهى رؤوس الفرق المشاة 19/7/16/2/18... خمس فرق مشاه...

           * يجب توسيع رؤوس الكبارى وإلا فإن الضربات القادمة للعدو يمكن أن تضعنا فى مأزق وتجهض عمليتنا.

           * عمق الشريط حوالى 2/4 كم والجيش الثانى أحسن حالاً من الجيش الثالث... ولدينا 400 دبابة على الأقل فى شرق القناة. وقد اضطر الجيش الثالث لاستخدام جسور الجيش الثانى لعبور دباباته حيث كان السد الركامى الإسرائيلى فى الجنوب أكثر تماسكاً وصلابة من الشمال فى مواجهة مدافع المياه.

           * وصلت برقية الدكتور الزيات عن اتصال كسنجر به فى نيويورك مطالباً بعودة القوات المصرية إلى غرب القناة ومشيراً أيضاً إلى أن استمرار مصر فى عملياتها العسكرية قد يكون له عواقب ضارة عليها إذا قد تتحول العمليات إلى غير صالحها... أى صالح مصر... وتقديرى أن أمريكا يهمها الآن إتاحة الفرصة لإسرائيل بتوجيه الهجوم المضاد الذى سيأتى ربما يوم الاثنين 8 أكتوبر حسب اطلاعى على التقارير العسكرية".

وبانتهائى من قراءة تقارير المساء 6 أكتوبر والفجر 7 أكتوبر... بدأنا يوماً جديداً من العمل الجاد تحت رئاسة هذا الرجل... وكنت أحس طوال هذه الساعة الأربعة والعشرون التى مضت منذ قيام حافظ إسماعيل بإطلاعنا على توقيت الهجوم المصرى ثم وقوعه... بأن الأمر وكأنه دهر كامل وليس مجرد 24 ساعة من يوم كامل من أيام حرب أكتوبر العظيمة.

( كتب أحمد أبو الغيط هذا المقال ليس فقط فى ذكرى مرور 36 عاماً على حرب أكتوبر ولكن لذكرى هذا العملاق العسكرى والدبلوماسى مستشار الأمن القومى المصرى حافظ إسماعيل والذى شغل مناصب كثيرة فى خدمة الأمن القومى المصرى، من بينها وزيراً للدولة للشئون الخارجية ومديراً للمخابرات العامة وسفيراً لمصر فى لندن/ روما/ باريس/ موسكو ومديراً لمكتب قائد عام القوات المسلحة ووكيلاً لوزارة الخارجية... كذلك لذكرى كل هؤلاء الذين خدموا مع حافظ إسماعيل فى هذه الأيام الصعبة والخالدة فى آن واحد... ويقول أحمد أبو الغيط أن شخصية حافظ إسماعيل لا يجب الحكم عليها فقط من أداءه فى تنفيذ كل المهام التى كلف بها ولكن أيضاً فى اختياره لمساعديه ومرؤوسيه... من هنا لم يكن غريباً أن الدكتور عصمت عبد المجيد وزير الخارجية الأسبق كان مديراً لمكتبه فى فترة وكالته لوزارة الخارجية، كذلك عمرو موسى الذى عمل سكرتيراً خاصاً له والوزير أحمد ماهر الذى عمل معه فترة مستشارية الأمن القومى، وأخيراً أحمد أبو الغيط الذى كان عضوا صغيراً بالمكتب له مسئولية العالم العربى ومصر.

 

الجزء الثانى : مصر والانتصار فى معركة أكتوبر - المقدمات والنهايات

 

·                    مصر والانتصار فى معركة أكتوبر - المقدمات والنهايات

·                    ما بين كلاوزفتز ... وكسنجر... وأهداف السادات

·                    الإدارة الدبلوماسية والعسكرية للحرب

 

كتبت يوم 6 أكتوبر 2009 مقالاً فى صحيفة الأهرام الغراء، استذكر فيه بعض الأحداث التى مرت بى فى اليوم الأول لحرب أكتوبر... واليوم الثلاثاء 27 أكتوبر أكتب مرة أخرى وبعد 36 عاماً فى ذكرى اليوم الذى استقر فيه وقف القتال ثم دخل حيز التنفيذ فعلاً فى الساعات الأولى لليوم التالى 28 أكتوبر، حيث سكتت المدافع وانتهت المعركة التى أتاحت لمصر تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية فى صدامها المسلح مع إسرائيل وذلك بغض النظر عن وقوع الثغرة أو حصار الجيش الثالث وما قيل أو قد يقال فى مستقبل الأيام عن أسلوب التفاوض وأداء المفاوض المصرى عندئذ... إذ أن المؤكد، وقد تبين هذا الأمر الجميع فى حينه، أن مصر استطاعت مع توقف القتال استعادة التوازن الاستراتيجى فى مواجهة إسرائيل على مستوى الجبهة وكذلك الإقليم.... وهو التوازن الذى كان قد فُقد لأكثر من ست أعوام منذ هزيمة يونيو 67... وفرضت مصر وبثقل قواتها المسلحة أن تدفع بالولايات المتحدة "أخيراً" أن تتحرك وبشكل جاد لتحقيق تسوية سياسية قد تكون طالت بعض الشئ، إلا أنها أدت إلى استعادت مصر سيطرتها وملكيتها الكاملة لسيناء وبالعودة إلى خط الحدود الدولية لعام 1906 بين مصر وفلسطين (إسرائيل). ولا شك أن تواجد قوات مصرية مسلحة، ونشاطها وحيويتها وقدرتها على العمل ضد إسرائيل... ومع توافر قوات جوية أثبتت قدرتها وفاعليتها فى المعركة... وتمركز وحدات بحرية مصرية ذات تأثير وسيطرة على جنوب البحر الأحمر... كل ذلك فى نهاية هذا الصدام المسلح يوم 28 أكتوبر 73... قد أقنعت الولايات المتحدة أن مصر يمكنها تكرار الصدام والعمل العسكرى مرة أخرى فى أى وقت تراه أو تختاره... ومن ثم اتجهت أمريكا إلى التحرك الجاد لأول مرة ومن خلال وزير خارجيتها كسنجر نحو تفريغ شحنة الصدام المصرى/ الإسرائيلى المسلح والذى هدد العالم لعدة أيام فى الأسبوع الأخير من أكتوبر 73 بصدام نووى بين القوتين العظميين عندئذ.... وبالتالى السعى إلى فتح الطريق أمام تسوية سياسية - ولو على مراحل – حققت كل أهداف العمل المصرى المسلح الذى اضطرت مصر إليه بعد محاولات فاشلة على مدى عام 73 لاستخدام الدبلوماسية لتحقيق التحرك نحو هذه التسوية دون طائل. واليوم فى هذا المقال أود أن أتناول بعض عناصر الجهد الدبلوماسى والعسكرى المصرى على مدى عام 73 والذى قاد مصر ودفع بها إلى التعجيل بتنفيذ قرارها الحاسم فى استخدام القوة كبديل عن الدبلوماسية لتحقيق تحرير أرض سيناء.

وقد أعود بالقارئ الكريم إلى يونيو من عام 99 وعندما كنت مندوباً دائماً لمصر لدى الأمم المتحدة، إذ حضرت حفلاً دعت إليه منظمة بذور السلام وشارك فيه أيضاً جلالة الملك عبد الله الثانى والملكة رانيا... وكذلك سفيرنا فى واشنطن، الصديق العزيز أحمد ماهر، ومثلما هو معروف فان هذه المنظمة أنشأها أحد اليهود الأمريكيين الذى روج – بعد توقيع اتفاق أوسلو – فى عام 93 لفكرة إتاحة الفرصة لشباب إسرائيل وفلسطين وغيرهم للالتقاء فى معسكرات لعدة أسابيع سنوياً لبناء علاقة سلام صحية والتعرف على بعضهم البعض... وكانت الظروف عندئذ تسمح بمثل هذا الفكر...

ووجدت بالحفل ما يقرب من أكثر من ألف شخص... وأخذت أتحرك بين المدعوين أتحدث وأجامل وأسعى للتعارف كعادة الدبلوماسيين بحثاً عن فرصة للوقوع على شخصية كبيرة نتعرف عليها أو معلومة ذات أهمية نحصل عليها. وفجأة وقع نظرى على هنرى كسنجر، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق ومستشار الأمن القومى أيضاً فى إدارة الرئيس نيكسون الأولى. واقتربت منه وقدمت نفسى له، وكان يقف وسط مجموعة من الأمريكيين المدعوين.... فظهر عليه الاهتمام وقال بلهجته الانجليزية الثقيلة التى تعكس بطبيعة الحال، خلفيته الألمانية، أنه يسعده التعرف على سفير مصر التى يكن لها كل الاحترام مضيفاً أنه يقدر أن هذا البلد هو المفتاح الحقيقى دائماً للشرق الأوسط والمنطقة العربية، كما أنها، مصر، هى القادرة على إعطاء العالم زعماء كبار قد تختلف أو تتفق معهم إلا أنهم يفرضون الاحترام على الجميع لما لبلدهم من ثقل وقيمة. وأخذت أتجاذب مع كسنجر جوانب الحديث الهادئ مشيراً إلى أن الكثير من الكتب التى كتبها فتحت الطريق أمامى للمزيد من المعرفة بحقائق العلاقات الدولية، والاستراتجيات العسكرية، وبخاصة النووية منها، ومشيراً إلى عدة كتب له، كنت قد قرأتها على مدى الأعوام، والعقود السابقة، ومنها كتابه الشهير "الحاجة للاختيار" التى بزغ أسمه بعد نشره كأحد المفكرين الأمريكيين فى الاستراتيجيات النووية، ومن بينهم "هولستتر"/ "هيرمان كاهان"/ "وماكسويل تيلور" وغيرهم، وكذلك كتابيه عن "سنوات البيت الأبيض" مستشاراً للأمن القومى، 68 – 72 و"سنوات الفورة" عندما كان وزيراً للخارجية 73 - 76... وظهر السرور والرضا على وجه كسنجر، خاصة عندما أشرت إلى كتابه "عالم ما بعد 1815 وتوازن القوى بعد سقوط نابليون"، وهى رسالة ماجستير كان كسنجر قد أعدها فى جامعة هارفارد فى نهاية الأربعينات بعد مشاركته فى الحرب ضد ألمانيا، وأخذنا نتحادث ونتحادث لأكثر من نصف ساعة، كنا بمفردنا بعد أن ابتعدنا عن الجميع من الحاضرين لهذا الحفل.... وفجأة أطلقت قنبلتى نحوه.... إذ قلت له.... أتعلم يا سيادة الوزير أن حديثك مع الدكتور الزيات فى يوليو 1973 وقولك له "ليس لدى وقت أضيعه على الشرق الأوسط فى الوقت الحالى خاصة أنه ليس لديكم قدرة على تغيير علاقات و/أو توازن القوى فى المنطقة وليس فى إمكانكم القيام بأى شئ حرباً... كما أنكم لا تعترفون بضرورة دفع ثمن الهزيمة التى لحقت بكم".... وأضفت بقولى لكسنجر أن حديثه هذا، وتصرفات أمريكا معنا ساهمت ودفعت أو عجلت بالقرار المصرى بالذهاب إلى الحرب.

واستشعرت وبوضوح شديد حجم الصدمة وربما الانزعاج الذى ظهر على وجه كسنجر من استماعه لهذه الشهادة التى تعطى الانطباع وكأن كسنجر كان يشجع المصريين على هذا التوجه مع إسرائيل من خلال عمل عسكرى... ونفى بشدة أنه كان يسعى لدفعنا للعمل العسكرى... وإن كنت قد أكدت له أن هذه كانت خلاصاتنا من واقع اللقاءات التى أجراها معه الدكتور الزيات وغيره من مسئولى مصر.

ويجب هنا أن أسجل أن عام 73 ووصولاً إلى العمل العسكرى المصرى فى أكتوبر من نفس العام كانت مصر خلاله تسعى إلى الاستمرار فى بناء قدراتها العسكرية من ناحية (قاذفات مقاتلة جديدة + صواريخ ارض/ أرض وغيرها مما استطاع الرئيس السادات إقناع السوفيت بتقديمها إلى مصر بصعوبة شديدة خلال هذا العام) أو محاولة تحقيق تسوية سياسية مع إسرائيل دون اللجوء للحرب من ناحية أخرى وذلك عن طريق إيفاد حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومى المصرى فى سلسلة مشاورات ولقاءات ومحاولات مع كسنجر نفسه (مقابلات فى ولاية نيويورك فى فبراير 73 وكذلك مايو من نفس العام فى بلدة خارج باريس، وهى كلها مقابلات أعدت لها المخابرات المركزية الأمريكية بالتعاون مع المخابرات المصرية التى كان حافظ إسماعيل رئيساً لها فى عام 70) أو زيارات هامة إلى كل من تشاوتشيسكو رئيس رومانيا الذى كانت تجمعه علاقات طيبة مع جولد مائير رئيسة وزراء إسرائيل أو تيتو، رئيس يوغسلافيا فى أغسطس 73 وحيث حاولت مصر تحقيق تفاهمات مع إسرائيل تؤدى إلى تسوية سياسية للنزاع مع طرح العديد من الخيارات فى هذا الشأن.... وأخيراً المحاولة المصرية لطرح التسوية المقترحة مع إسرائيل من خلال الذهاب إلى مجلس الأمن فى يوليو 73 والتى حصلت مصر أثناء هذا الجهد أمام المجلس على 14 صوتاً مؤيداً لمشروع قرار قدمته وإن كان قد سقط باستخدام حق النقض من قبل أمريكا.... وتوقف جهد السلام المصرى... ووضح أننا نتجه إلى المواجهة المسلحة.

على أى الأحوال نفى كسنجر بالكامل كل شروحاتى أو أن لقاءاته مع حافظ إسماعيل دفعت بنا إلى العمل المسلح، خاصة عندما أبلغنا فى حينه "أنه مشغول بالحرب والمفاوضات الفيتنامية فى باريس وأن لا وقت له يضيعه على مسألة باردة وعناد مصرى لعدم دفع ثمن هزيمة 67".... ويجب أن أقول أننى التقيت مع كسنجر، مرة أخرى، أثناء مناسبة اجتماعية فى عام 2000 بنيويورك واقترب كسنجر وقال أنه لا يزال يرفض فكرة مسئوليته فى تشجيع مصر للاتجاه للحل أو الحسم العسكرى فى عام 73.... وتقديرى شخصياً أن كسنجر كان يرغب فى نفى كل مسئولية عن الحرب وإلا اتهمته دوائر فى بلاده بأنه حرض العرب على العمل المسلح ضد إسرائيل.

يجب هنا أن أقفز على فترة حرب 73 وصولاً إلى يناير/ فبراير 74 عندما تقرر أن ينزوى حافظ إسماعيل عن مسئولياته نتيجة عناصر كثيرة ليست محل مناقشة بهذا المقال.... وطلب منى الدكتور عبد الهادى مخلوف، مدير مكتب مستشار الأمن القومى برئاسة الجمهورية أن أحضر إلى مكتبه.... وقال بصوته الهادئ .... "يا أحمد... تعلم أنه يوجد ملحقاً بمكتبى فى قصر عابدين حجرة كبيرة بها إحدى أكبر الخزائن المسلحة التى توجد فى مصر، وأن بها الكثير من المستندات بالغة الأهمية التاريخية، كما أنها أيضاً ذات سرية عالية جداً".... مضيفاً "أننا وقد اقتربنا من نهاية خدمتنا مع المستشار حافظ إسماعيل برئاسة الجمهورية، فانه يرغب فى تكليفى بإعداد أرشيف كامل لهذه المستندات التى تعالج أوضاعاً داخلية مصرية وكذلك أوراقاً تتضمن الخطط المصرية السياسية و/أو العسكرية لحرب أكتوبر ... ما سبقها وما تم خلالها".... وأعطانى مهلة خمسة عشر يوماً لكى أنتهى من هذا الجبل من الثروة المعلوماتية والوثائقية ... ودخلت... إلى الحجرة والخزينة... وأخذت أأرشف وأفتح الملفات وأقوم بالتقسيم والتوزيع... ووجدت أننى وبدلاً من أن أعمل عدة ساعات كل يوم، فقد استغرقت فى القراءة بنهم واهتمام لكل ما خفى عنى وعن، ربما، بعض أعضاء مكتب مستشار الأمن القومى عدا السفير مخلوف وكذلك أحمد ماهر السيد.... ووقعت يدى على هذا المحضر التاريخى الذى سجله السفير عثمان نورى مساعد مستشار الأمن القومى والسفير عبد الهادى مخلوف... حول اجتماع بالغ الأهمية يوم 29 سبتمبر 1973 جمع الرئيس السادات وكل رجال القيادة المصرية ومنهم محمود فوزى/ مصطفى خليل/ ممدوح سالم/ أحمد إسماعيل .... ودارت المناقشة التاريخية حول ما هو قادم وحيث قال الرئيس أننا ذاهبون إلى الحرب وعلى الجميع الاستعداد لها.... وظهرت مواقف .... وذكر البعض أن مصر يمكنها أن تحاول مرة أخرى أن تسعى لتسوية سياسية متفاوض عليها وأن على مصر أن تتحسب من أوضاعها الصعبة وعلاقات القوى غير المتكافئة مع إسرائيل ودار نقاش  قرأته على مدى صفحات ممتدة.... وقال الدكتور محمود فوزى وزير الخارجية الأسبق، الذى كان يشارك فى الاجتماع.... أنه يقدر الحاجة للدخول إلى هذا الصدام المسلح .... وحكى للحضور قصة ذات بلاغة هائلة... وحيث قال.... أنه كان فى اليابان دبلوماسياً صغيراُ فى الثلاثينات وإنه كان يحصل على دروس تدريبية فى مبارزة الساموراى مستخدماً السيف اليابانى الطويل والحاد... وفى يوم ذهب إلى الدرس مرتدياً الملابس اليابانية للساموراى وحاملاً السيف الطويل فى حزام ملابسه.... وقال له المدرب اليابانى أين السيف القصير... أنت تحمل الطويل فقط والساموراى يحملون سيفين أحدهما طويل والآخر قصير يستخدمه عند الحاجة أو إذا ما فقد أو كسر سيفه الرئيسى.... وخلص محمود فوزى بقوله للحضور.... لقد فقدت مصر سيفها الطويل فى عام 67 ولعلها قد استبدلته بسيف طويل آخر أكثر حدة.... أو لعلها تحمل السيف القصير فقط إلا أنها مثل الساموراى عليها أن تستخدمه لتحقيق أهدافها المطلوبة من عملها المسلح القادم... ألا وهو هدف تحريك عملية السلام... وخلق توازن عسكرى وسياسى جديد مع إسرائيل يفرض عليها وعلى الولايات المتحدة أن تتفاعلا مع المطلب المصرى فى تحقيق الانسحاب الكامل من سيناء.... ودار حديث ممتد بين الحضور... وقال حافظ إسماعيل فى أحد فترات هذا الاجتماع التاريخى... أنه يقترح وفى ضوء خشية البعض من عواقب العمل المصرى المسلح القادم أن نتحرك وبتدرج لعمليات مصرية عسكرية شبيهة بفترة حرب الاستنزاف وقبل تحقيق وقف إطلاق النار فى يوليو 70... واقترح مستشار الأمن القومى... إجراءات عسكرية سياسية تقود إلى تسخين الجبهة المصرية دون التعرض لعواقب العمل العسكرى الكبير.... ورد المشير أحمد إسماعيل على، وزير الحربية حينذاك بقوله... أنه يختلف مع بعض الآراء التى قيلت... وأنه يقدر ويحسب الموقف من خلال اقتناعه بأن إسرائيل لن ترد على أى عمل عسكرى مصرى محدود أو تسخين للجبهة بعمليات محدودة لأنها لا تستطيع أن تتحمل ثقل تعبئة ممتدة أو استنزاف مستمر على مدى شهور من خلال عمليات صغيرة هنا وهناك خاصة وهم يرصدون أن الجيش والقوات الجوية المصرية قد زادت كفاءتهما على مدى السنوات الثلاث لوقف إطلاق النار من يوليو 70 حتى سبتمبر 73... وأن إسرائيل بالتالى سوف تقوم بالتصعيد الفورى وبأقصى درجات العنف.

من هنا فان أحمد إسماعيل، يقترح ويرى أن الأسلوب الأمثل لهذا العمل العسكرى هو فى توجيه ضربة رئيسية بالغة العنف من جانب الحشد المصرى الهائل وعبر القناة ثم امتصاص الضربة الإسرائيلية المضادة والوقوف على المواقع المصرية التى جرى احتلالها من مناطق سيناء وما يستتبع ذلك من فرض لتسوية سياسية برؤية مصرية... وتحدث الرئيس السادات فى النهاية بقوله فلنقوم بما هو لازم لمستقبل البلد... وحسم الموقف... وجاء العمل العسكرى يوم 6 أكتوبر.... وقد جسد هذا العمل المسلح وبكل وضوح واقتدار رؤية مصرية ثاقبة تعكس كل المفاهيم الصحيحة التى كتب عنها كارل فون كلاوزفتز فى القرن الثامن عشر من حيث أن الحرب هى امتداد للسياسة بوسائل أخرى... وأن الحرب يجب أن تسعى إلى استخدام أقصى درجات العنف المسلح لفرض الإرادة على الخصم... ثم أخيراً أن الدفاع... وبعد العمل العسكرى... هو الشكل الأقوى فى المعركة العسكرية... وهى كلها عناصر لأفكار ناضجة نفذتها مصر وقواتها المسلحة باقتدار وتوازن منضبط. وتبقى النقطة الأخيرة... أن لكل حرب هدف سياسى يسعى العمل المسلح لتحقيقه... وفى حالة مصر وبأكبر قدر من الوضوح... كان الهدف المصرى من العمل المسلح هو احتلال شريط عريض بسيناء وضرب الهجمات المضادة والتوصل إلى وقف لإطلاق النار ومصر على الجانب الآخر وقد فرضت رؤيتها... وكان هذا كله ما سجله التوجيه الرئيسى للقتال الذى كلف به الرئيس السادات القوات المسلحة المصرية فى هذا اليوم الكبير. ثم بدء التفاوض ومن خلال التوازن مع إسرائيل وصولاً إلى تحقيق الانسحاب من سيناء... من هنا يجب أن نعترف أن نتائج هذا العمل المسلح كان يتمثل إما فى قبول الخصم الإسرائيلى التجاوب مع نتائج وخلاصات الحرب وقبول الخروج من سيناء أو أن يبقى السيف المصرى الطويل مسلطاً على إسرائيل من خلال التهديد المستمر للانطلاق شرقاً وعلى مراحل وحسب نمو قدرات القوات المسلحة واستطاعتها تحقيق الأهداف حسبما تسمح الإمكانيات.

كان هذا كله هو الشغل الشاغل للعاملين فى حقل الدفاع والأمن القومى المصرى، وكان الجميع يشغله كيف نتحرك لضرب إسرائيل والكيفية التى يمكن أن تدار بها المعركة القادمة سياسياً وعسكرياً... وكان لى ورغم كونى دبلوماسى صغير... أفكاراً أطرحها على مستشار الأمن القومى المصرى الذى كان يشجعنى وغيرى من أعضاء هيئة مكتبه على مناقشة أمور إستراتيجية الحرب القادمة وكيف يمكن لنا أن نحكم إيقاعها بالشكل الذى يؤمن حركة دبلوماسية نشطة وفى إطار زمنى واعى بالمتطلبات العسكرية التى ستفرض ثقلها على الدبلوماسية.... وصولاً إلى التسوية... وكان لى نقاشات ومذكرات مكتوبة مثلما قلت مع حافظ إسماعيل... وكتبت يوماً فى شهر يونيو 73 وقبل شهور من الحرب أن علينا أن نرتب لضربة مفاجئة نحقق بها أهداف محدودة على الجانب الآخر من قناة السويس فى سيناء ونتحرك بعدها إلى العمل الدبلوماسى من خلال التفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل وصولاً لقبولها بالانسحاب... وسلمت المذكرة إلى الدكتور عبد الهادى مخلوف الذى عرضها على مستشار الأمن القومى... الذى احتفظ للأسف بها (وحيث كان يسعدنى دائماَ أن اطلع على تعقيباته الحكيمة ورؤيته للمواقف). ثم جاءنى د. مخلوف بعد أيام وأطلعنى على تعقيب مستفيض مكتوب بخط حافظ إسماعيل تضمن قوله:

"أبو الغيط ... تثير مذكرتك عدداً من المسائل المتصلة بالعمل العسكرى... وفى ضوئها لا أظن، مع تقديرى، أننى أتفق معك فى الرأى..

1 -    حسب فهمى، فأنك تفترض..

أ -     ضربة مصرية مفاجئة.

ب -    ضربة سريعة جداً فى تحقيق أهدافها (المحددة).

ج-     قبول إسرائيل للنتيجة وموافقتها على وقف النيران.

         ولعل "صورة" عمليات 67 هى التى تسيطر على تفكيرك.. كما يبدو أنك مقتنع بإمكان تكرارها..

2-     هناك عدد من الاعتبارات، تجعلنى أصل إلى رأى مختلف،

أ-      سيصعب علينا توجيه ضربة تحقق مفاجأة "استراتيجية"، ومن ثم يمكن للحرب أن تبدأ.. قبل أن نبدأها..

ب-     "المزاج" المصرى فى التخطيط والتنفيذ لا يحبذ العمليات "BlitzKrieg".. كما أن طبيعة المواقع أمامنا ومستوى الدفاعات والقوات الأمامية الإسرائيلية، واستخدام الطيران.. سيجعل الاشتباك ما يسمى "Slugging Match" يعتمد على "الثقل" أكثر من "الحركة"..

ج-     إن تدخل أمريكا لوقـف النيـران (الأمر الذى نقبله حسب افتراضك) يفتـرض هزيمـة إسـرائيل فى غرب سينا وتدميرنا لأغلب جيشها... العكس صحيح، أن أمريكا
"Would Sit Back & Wait" طالما لا زال لإسرائيل قدرة الهجوم المضاد... وعلى هذا فإن العمليات ستكون ممتدة ويجب أن نعمل حسابنا على هذا (وهذا يتطلب إعداداً خاصاً جداً...)..

د-      وهذا سيثير التساؤل.. متى وكيف تتوقف العمليات؟ أرى أن لا نبدأ إلا إذا قدرنا إمكان تحقيق هدف محدد.. ضمن قدراتنا بحيث يحقق: تغيير الموقف بقدر يستثير العمل السياسى بعد ذلك = أو يمكن منه تأمين مصر مستقبلاً = ويحقق لها فقط تأمين الملاحة فى السويس والخليج.. = وسوف يستنزف طاقة إسرائيل ومصر بقدر يدعوهما إلى De-Escalate الصدام تدريجياً.. وإن لم يكن نهائياً.

هـ- هذه خواطر سريعة .. قد يحتاج الأمر إلى التفكير فيها وتأملها.. لتصور كيف تبدأ الحرب.. وكيف تنتهى. وأرجو إعادة هذه الورقة".

وعاد الدكتور عبد الهادى مخلوف لكى يستعيد هذا التعقيب المكتوب بهذا الخط الجميل الذى اتصف به حافظ إسماعيل.... وما كان لى أن أتذكـره أو أستعيده إلا بعد حوالـى 36 عاماً عندما جاءنـى د. مخلوف منذ شهور بمكتبى بوزارة الخارجية وأطلعنى عليه قائلاً... لقد احتفظت بها لك على مدى ستة وثلاثون عاماً... ويالها من مفاجأة... إلا أن الأخطر فى تقديرى أن حافظ إسماعيل كان يرغب فى التشويش على وغيرى من أعضاء مكتبه لحقيقة الأهداف والنوايا المصرية من العمل العسكرى المصرى المسلح والكيفية التى سيدار بها هذا العمل... عسكرياً ودبلوماسياً...

وأرى بعد كل هذه السنوات التى مرت أننا، وبالذات مستشار الأمن القومى حافظ إسماعيل كان يتصور بحسه وخبرته السياسية والعسكرية، الشكل الذى يمكن أن تدار على أساسه المعركة المسلحة والأخرى الدبلوماسية وذلك رغم أنه قدر أيضاً صعوبة تحقيق المفاجأة الإستراتيجية والتكتيكية للصدام... إلا أن الواقع كشف أن مصر نجحت فى خططها بأسلوب فرض المفاجأة على العدو بشكل كامل وتام.

ونعود إلى فترة العمل المسلح طوال شهر أكتوبر 73 فلقد أبقى الرئيس السادات، وفى إطار إدارة النزاع على المستوى الدبلوماسى، على اتصالاته وانفتاحه على كل القوى وفى مقدمتها الاتحاد السوفيتى الذى اتسمت العلاقة معه طوال الأعوام الثلاث السابقة على الحرب بتوتر مكتوم أو علنى... وابقى الرئيس المصرى على تواصل معهم وبهدف تأمين الدعم العسكرى والسياسى على المستوى الدولى... كما ابقى الرئيس أيضاً على خطوط اتصال، وكذلك حافظ إسماعيل، مع الرئيس الأمريكى ووزير خارجيته كسنجر..

ووصلت الرسائل المتبادلة بين الجانبين على مدى الفترة من 7 أكتوبر حتى 28 أكتوبر ومع بزوغ وقف إطلاق النار حوالى 15 رسالة بين السادات ونيكسون وما يقرب من عشرين رسالة بين حافظ إسماعيل وهنرى كسنجر... ويجب أن أشير هنا إلى أن أحمد ماهر السيد، المستشار الدبلوماسى لحافظ إسماعيل... ووزير الخارجية المصرية فى الفترة من مايو 2001 حتى يوليو 2004... كان هو الذى يصيغ كل هذه الاتصالات وتحت التوجيه والإشراف المباشر لمستشار الأمن القومى المصرى الذى سعى لنقل رؤية الرئيس السادات ومطالبه ومواقفه إلى الجانب الأمريكى...

كما استمر الرئيس السادات يدير المعركة الدبلوماسية عن طريق الحفاظ على اتصال دائم مع البريطانيين باعتبار صلتهم الوثيقة مع واشنطن وكذلك مع إيران والشاه الذى قدر السادات أنه يستطيع أيضاً توظيفه للعمل على الامريكيين. ولم تقتصر بطبيعة الحال اتصالاتنا مع هذين الطرفين فقط، بل لم ينقطع سيل سفراء ومبعوثى ورسائل الدول التى سعى السادات لإبقاء الاتصالات معها خدمة لهدف وقف القتال عندما يحين الموعد وتحت الظروف المناسبة التى تخدم الهدف الاستراتيجى للحرب.

وتبقى نقطتان لهما أهمية محورية.... وأولهما يتعلق بأحد الرسائل التى أحيطت بالكثير من القيل والقال... وأقصد بها رسالة حافظ إسماعيل إلى كسنجر، بعد ما يقرب من 48 ساعة من بدء الاقتتال ورداً على رسالة من كسنجر أن مصر "لا تسعى لتوسيع إطار المواجهة أو تعميقها". وحيث قيل من قبل البعض، ومن بينهم اناس على درجة عالية من المعرفة والقدرة التحليلية والقيمة التاريخية، أن مصر بهذا الموقف كشفت عن نواياها وأعطت لإسرائيل وأمريكا فرصة رسم ردود فعلهما وعملياتهما تجاه العمل العسكرى المصرى سواءً عسكرياً أو دبلوماسياً...  إلا أننى وللحقيقة والتاريخ لا أرى هذا الرأى وأقول أن الجانب الأمريكى وأطراف عربية كثيرة كانت تتحدث عن احتمال قيام الأردن عندئذ بفتح الجبهة الأردنية وبشكل يزيد من تعقيد الأمور والحسابات مع إسرائيل  وأخذت الضغوط تتزايد على الأردن لتوسيع إطار الصدام والانضمام إلى مصر وسوريا وكان هناك رسائل أمريكية بالخشية من هذا الوضع المحتمل والتحذير منه... واتصالاً بذلك وعلى الجانب الآخر من الحرب كانت عمليات سلاح الجو الإسرائيلى تسعى للتعرض للقواعد الجوية المصرية فى الدلتا وبالقرب أيضاً من خط الجبهة... وفى أحد الغارات ضد مطار طنطا ومع ظهور فاعلية المقاتلات المصرية (الميج 21) فقد أسقطت طائرات إسرائيل إما بالخطأ نتيجة لتهديد مقاتلاتنا، أو بنية متعمدة قنابلها على أحد القرى القريبة من القاعدة الجوية المشار إليها فى طنطا... ومن يتابع صحف هذه الفترة يتبين حقيقة ما أتحدث به هنا.... على أى الأحوال.... كان الرئيس السادات يحاول الإبقاء على خطوط اتصاله مع أمريكا وفى نفس الوقت قصر المواجهة مع إسرائيل على الجبهة المصرية/ والسورية وحتى يستطيع أن يحكم إيقاع تحركاته الدبلوماسية والسياسية مع توقف الصدام العسكرى فى توقيت ما قد تفرضه تطورات المعركة. من هنا ومع غضب الرئيس للهجمات الإسرائيلية ضد المدنيين المصريين فإنه كلف حافظ إسماعيل بأن يخطر كسنجر الذى كانت الاتصالات الكثيفة قد بدأت معه من خلال المخابرات العامة المصرية ومحطة المخابرات المركزية بالقاهرة، برسالة بأن مصر لا ترغب فى توسيع إطار المواجهة المسلحة... وقصد بذلك عدم تشجيع الأردن على فتح النيران.... وإن كانت الضغوط العربية والشعبية قد أدت فى حقيقة الأمر فى النهاية إلى دفع الأردن لأحد الألوية المدرعة للدخول من الأراضى الأردنية إلى جنوب الجولان للاشتباك مع إسرائيل داخل أراضى سوريا... واستمرت رسالة حافظ إسماعيل تشير إلى عدم رغبة مصر فى تعميق الاشتباكات أو الصدام بتحويله إلى ضرب فى العمق وأخذاً فى الاعتبار ما توافر لدى مصر عندئذ من صواريخ (سكود ب) التى كان يمكن أن تنال أراضى إسرائيل فى النقب... واعتقد أن هذا التهديد المُبطن قد أدى رسالته وحيث لم تتكرر عملية الإغارة على أى مدن أو قرى فى عمق مصر ولم تخسر مصر بالتالى أى من المدنيين المصريين.

وأحسب أنه وبكل أمانة التحليل والمسئولية إن ما أقوله هو ما أقتنع حافظ إسماعيل أنه ينقله إلى كسنجر وبالشكل الذى صاغه به مستشاره السياسى أحمد ماهر السيد... من هنا أعتقد أننا صدمنا جميعاً من هذه الكتابات التى اتهمت القيادة المصرية بأنها نقلت إلى إسرائيل وأمريكا نواياها فى إطار العمل المسلح المصرى وأنها نوايا ضيقة للغاية.... وأتصور أن الربط بين المسألتين فى رد واحد من حافظ إسماعيل إلى كسنجر ربما يكون هو المتسبب فى الوصول إلى هذه النتيجة الخاطئة لهذه الرسالة. (انضمام طرف عربى ثالث للمعركة + التعرض للمدنيين فى العمليات الجوية) وتأكيداً لصحة هذا التقييم أن الجيش قد سعى لتطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر والانطلاق شرقاً نحو المضايق وحيث توقف الهجوم فى المساء بعد تعرض القوات لخسائر كبيرة... من هنا أيضاً كانت محاولة تطوير الهجوم فى جنوب الجبهة بدفع اللواء الأول مشاه ميكانيكى فى اتجاه صدر... وتوقفه أيضاً فى ضوء الهجمات الجوية الإسرائيلية الكثيفة.

ومرت أيام الصدام... وهو ما آمل أن أكتب فيه المزيد اعتماداً على يوميات المعركة مثلما سجلتها... وتوقف القتال... واستقرت الجبهة يوم 28 أكتوبر.... والتقى اللواء الجمسى مع الجنرال ياريف لتحقيق الاتفاق على الإجراءات الكفيلة باستقرار وقف القتال.

وكنا لازلنا نُقيم فى قصر عبد المنعم بمصر الجديدة.... وهى إقامة أتسمت بالتقشف الشديد من قبل مستشار الأمن القومى المصرى الذى أتذكر أنه صمم أن الأطعمة التى نحصل عليها تكون بمثابة "جراية" الجيش... وقد توقفت لسنوات تالية من أكل اللوبيا ذات الرأس الأسود أو الكوسة بالطماطم والأرز التى اضطررت لأكلها على مدى أكثر من شهر.

أما النقطة الثانية والأخيرة فى هذا السياق الذى أكتب فيه... وهو نهايات الصدام المسلح وقدرة مصر على تحقيق أهدافها السياسية منه... فلقد قلت فى بداية هذا المقال أن مصر حققت أهدافها بشكل كامل من الصدام المسلح، ولو على مدى زمنى ممتد، إلا أن هذا الصدام والنجاح فيه وانتهائه ومصر لازالت تمتلك قوات مسلحة قادرة ونشطة، لا يجب أن يخفى حقيقة حجم المخاطرة التى خاضتها والجهد الذى بذل لتحقيق هذه الأهداف... لقد كانت هناك معاناة... ومررنا بصعوبات جمة وبذلنا تضحيات هائلة... ولا يفهم ذلك إلا هؤلاء الذين شاركوا فى هذا الجهد الهرقلى.... لقد تهدد الجيش الثانى... وحوصر الجيش الثالث... إلا أن التصميم المصرى وإرادة القتال والتصدى وبقوة، لمخططات العدو... أفشلت فى النهاية محاولته إلحاق الهزيمة بنا... وعلى الجانب الآخر... كانت المعركة الدبلوماسية التى أدير بها هذا الشق من الصدام مثالاً للقدرة على الخيال والمبادرة وفهم الهدف ومتابعة تحقيقه دون خشية أو خوف... وفى يوم 28 أكتوبر 73 حققت الحرب أهداف السياسة ووضعت مصر على طريق التسوية النهائية التى تمخضت عن كامب دافيد ومعاهدة السلام.

لقد أكدت الحرب... المقولة القائلة أنها مجرد امتداد للسياسة ولكن بأساليب ووسائل أخرى... وهى مسألة وعاها الرئيس السادات ومعاونه المباشر محمد حافظ إسماعيل وبنضوج وعمق... وعلى العكس من ذلك تصور البعض فى مصر وربما أيضاً فى سوريا أن الحرب يجب أن تستمر لأجل الحرب وهزيمة العدو بشكل كامل... أى تحقيق الانتصار الكامل... وهو فهم لست فقط لا أتفق معه... بل هو يمثل فقدان الرؤية الصائبة لعلاقات القوى بين إسرائيل ومصر من ناحية وكذلك القواعد الحاكمة لعلاقات القوتين العظميين حينذاك من ناحية أخرى...

 

الجزء الثالث: الاقتراب من المعركة، أزمات فى الأسبوع الأول من الحرب

 

مرة أخرى، ونتيجة لأحاديث الكثير من الزملاء والأصدقاء الذين عاصروا حرب أكتوبر وعاشوا أيامها الصعبة وشاهدوا سنوات المحنة والعذاب التى مرت بنا نحن شباب مصر آنذاك، وفى ضوء عودة بعض الكتابات إلى تناول هذه الحرب ونتائجها، فقد رأيت أنه لا ضرر من أن أعود مرة أخرى لكتابة مقال أو أكثر، أضيف فيهما ما خفى أو غاب عن المقالين اللذين نشرتهما صحيفة الأهرام الموقرة فى 6، 27 أكتوبر عام 2009 حول تجربتى مع مستشار الأمن القومى المصرى، "محمد حافظ إسماعيل" خلال فترة الإعداد للمواجهة المسلحة مع إسرائيل، ثم فى إدارة الحرب نفسها فى بعديها الدبلوماسى والعسكرى، وأجدنى اليوم أعود إلى تناول بعض جوانب هذه الأحداث.... إلا اننى يجب فى إطار التعرض لهذه الأيام الرائعة والصعبة فى نفس الوقت أن أشدد على نقطتين أساسيتين أرى أهميتهما قبل أن امضى فى استعراض ما حدث خلال هذا الصدام التاريخى وذلك من وجهة نظر متابع مدقق عايش تلك الأيام.... وهما:

أولاً: أننى أكتب عن أحداث مضى عليها اليوم 37 عاماً كنت خلالها أسجل الكثير من وقائعها فى يوميات تسرد ما أرصد وأرى، ثم أعقب على ما أرصده واراه لحظة بلحظة.... واليوم وبعد كل هذه الأعوام الطوال الممتدة.... أعود إلى تقييم ما كتبته آنذاك مستخلصاً النتائج التى رصدتها وقتها وكيف أمتد تأثيرها على مصر ورؤيتها للحرب وضروراتها اليوم. من هناك يجب أن أؤكد أننى أكتب تجربتى الشخصية وليس اعتماداً على كتابات لشخصيات أخرى قد تكون شاركت فى هذه الأحداث بشكل أو آخر.... كما أننى لا أكتب للرد على هذا التقييم أو ذاك أو هذه القضية أو تلك... وأخيراً ليس لتناول الكتابات التى صدرت عن عسكريين أو مؤرخين دوليين أو إقليمين حاولوا تحليل هذه الحرب وهذا الصدام فى مجمله أو شموليته أو حتى فى تفاصيله الصغيرة والمتناهية.... بل على العكس قد يبدو أحياناً وكأننى أخالفهم الرأى... إلا أن المؤكد أن ما أكتبه الآن يصدر عن مشاهدات مسجلة ومدققة فى لحظة وقوع الحدث ومثلما عاصرته أو قرأته وتابعته.

وأقول هنا اننى سجلت هذه اليوميات ابتداءاً من يوم 5 أكتوبر سعت 2130 وحتى سعت 1700 من يوم 25 نوفمبر 1973... حينما توقفت تلك اليوميات التى حاولت خلالها أن أسجل وبإيجاز شديد ما كان يحدث فى هذه الأيام الخمسين وهو الكثير. ولعلنى استشعر الندم اليوم حيث كانت الأحداث تصنع أمامى، وربما كان يجب أن أسجل أكثر كثيراً مما سجلت بالفعل فى حينه... إلا أن نهجى هذا انطلق من فكرة تبينتها فى الكثير من قراءاتى ليوميات كتبتها فى الماضى شخصيات عسكرية وسياسية ذات شأن وبالذات خلال فترة صدام البشرية مع بعضها البعض فى الحرب العالمية الثانية... شخصيات مثل "هاينز هالدر" رئيس أركان الجيش الألمانى، أو الجنرال "الآن بروك" رئيس أركان الإمبراطورية البريطانية أبان هذه الحرب وغيرهم من الآخرين ذوى التأثير والسمعة الكبيرة... وهى يوميات اتسمت بالإيجاز والدقة وحازت اهتمام المعلقين والاستراتيجيين الكبار ولازالت تنير للكثيرين من المهتمين بالشأن العسكرى والاستراتيجى وتوليفة الدبلوماسية والحرب فى مسألة صدامات القوى والشعوب الطريق نحو فهم فلسفة صدام القوة المتمثلة فى الحرب كوسيلة لتحقيق أهداف الدول والمجتمعات.

وقد يتصور البعض أننى أسعى لكى أقارن نفسى بهؤلاء الكبار من القادة العسكريين أو الدبلوماسيين العظام فى تاريخ البشرية ممن أبقوا على يوميات كاشفة وهم كثيرون...

إلا أن الحقيقة أن هدفى عندئذ فى عام 73... كما هو الحال اليوم... يتمثل فى اطلاع أبناء بلدى على مشاهداتى وبغض النظر عما كلفت به من مهام أو تبوأته من مناصب، وصلت بى إلى منصب وزير خارجية مصر، أكبر الدول العربية وإحدى أكثر القوى فى الإقليم تأثيراً فى شؤونه وتطوراته.

أما النقطة الثانية التى أبغى أن أشدد عليها... فهى تتعلق أيضاً بالمهمة التى أتحملها اليوم، وهى مسئوليات وزير خارجية مصر الذى يضطلع بتنفيذ وتدبير شئون الدبلوماسية المصرية وصولاً للنجاح فى تحقيق سياسة خارجية قادرة ومؤثرة وبما يؤدى إلى تأمين وحماية المصالح المصرية الإستراتيجية والوطنية فى إقليم يتوتر صباح مساء كل يوم من جراء وقوع هذا الحدث أو ذاك. من هنا وفى هذا الإطار أجد أن من الهام أن أحرص على عدم التطرق إلى مسائل قد تؤثر على العلاقات اليوم مع أطراف أخرى وربما، بشكل سلبى لا يجب السماح به... وإن كنت من ناحية أخرى سوف أتمسك وبالكامل بكل صدق الأمانة التى أحملها والتى سجلتها وبشرف الكلمة وبدقة القول والفكر....

والشاهد أنه ومثلما سبق التحدث به فى المقالين السابقين... فقد كنا جميعاً... العاملين مع "حافظ إسماعيل" نستشعر أن هناك شيئاً كبيراً وخطيراً لا شك قادم.... وزاد هذا الشعور فى ضوء وجود مؤشرات كثيرة كنت أرصدها بدقة وتحفز....

إلا أن أهم هذه الشواهد على إحساس الاقتراب من الحرب، ما لاحظته يوماً ما.... خلال شهر أغسطس 73 من وجود أسم العميد "عندئذ" "طه المجدوب" على قائمة المقابلات اليومية لمستشار الأمن القومى وتحت مسمى رئيس فرع الخطط بهيئة عمليات القوات المسلحة... وقد رأيت فى هذا اليوم... هذا العسكرى الصارم ذو البشرة السمراء والملامح المصرية الأصيلة وهو يسير فى طريقه إلى مكتب "حافظ إسماعيل" قادماً من هذا الممر الممتد فى قصر عابدين بين مكاتب مستشار الأمن القومى ومكاتب سكرتارية الرئيس للمعلومات والتى كان يشغلها عندئذ الدكتور "أشرف مروان".... وقد لاحظت وقتها - أو أعتقد - أننى لاحظت انه كان يرتدى بزه "الباتل درس" الكاكى الغامقة وبريه الفرسان الأخضر اللون...

ولقد تكررت هذه الزيارة، ولمفاجأتى، مرتين أخريين... ولم نكن جميعاً نعلم فى مكتب "حافظ إسماعيل" - سوى "الدكتور السفير عبد الهادى مخلوف" مدير مكتب مستشار الأمن القومى - مغزى هذه الزيارات واللقاءات بين "طه المجدوب" و"حافظ إسماعيل"... إلا اننى يجب أن اعترف أنه وعندما أتيحت لى فرصة الاطلاع على مستندات الحرب ووثائقها، الموجودة فى هذه الخزانة الحديدية التى جاء ذكرها فى مقالى السابقين... أن "طه المجدوب" كان قد أوفد من قبل "أحمد إسماعيل على"، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية آنذاك لكى يطلع "حافظ إسماعيل" على الإطار العام لخطة الحرب وأهدافها الإستراتيجية والتعبوية وإطارها الزمنى المرغوب فيه... وتقديرى أن التعاون بين هذين الرجلين... بل ودعونى أقول "العملاقين العسكريين" كان دائماً فى أحسن صورة وكانا يتبادلان الكثير من الأفكار والمقترحات وينفتحان على بعضهما البعض دون أى حساسيات أو منافسات... بل كان محركهما الاساسى هو الجيش وكيفية بناء قدراته وإمكانياته وتوفير كل ما هو متاح له لكى يخوض معركة قوية تعيد لمصر كرامتها وتحقق لها استعادة سيناء كهدف رئيسى يمكن أن يفتح الطريق لتسوية للمشكلة الفلسطينية. ويجب أن أقول أيضاً فى هذا المجال أن كلا من "حافظ إسماعيل"... و"أحمد إسماعيل على" كانا من العسكريين المصريين التقليدين الذين شاهدوا وعن قرب وهم صغار السن تجربة الحرب العالمية الثانية فى الصحراء الغربية المصرية... ولا شك أنها اثرت فيهما كثيراً... سواء من حيث الفهم الدقيق لإستراتيجية الحرب واستخدام القوة المسلحة فى إطارها الاستراتيجى العام أو تفاصيل وتكتيك استخدام القوات والأسلحة فى المعركة المتكاملة العناصر وبالذات فى الصحراء... وهى المقدمة الضرورية والتدريب الأساسى لصقل قدراتهما فى مواجهة إسرائيل، سواء فى النقب أو سيناء وكلاهما صحراء تفرض الاستفادة من دروس السابقين....

من هنا لا شك أن قراءتهما لكل عمليات شمال أفريقيا سواء على الجانب البريطانى وتجربة الجيش الثامن بقيادة "مونتجمرى" ومن سبقوه أو العمليات على الجانب الألمانى مثلما مارسها فيلق شمال أفريقيا بفرقه الشهيرة وقيادته المتمرسة المتمثلة فى "اروين روميل".

بل ولعلى أضيف... ولا يجب أن أبدو هنا وكأننى احد العسكريين يتحدث فى هذه الأمور المتخصصة ... أنهما فهما أيضاً تأثيرات استخدام أسلحة محددة على نتائج أى معركة... مثل،.... استخدام الدبابة... باعتبارها سيدة معركة الصحراء... أو المدفع المضاد للدبابات واستخدامه بكفاءة فى الصحراء المكشوفة لكى يحد من سيادة أو تفوق الدبابة على الأرض... وكذلك تأثير جندى المشاة الذى يتمسك وبعناد بمواقعه على الأرض، وأخيراً الطائرة وتأثيرها المخيف على إلحاق الخسائر بالقوات فى تحركاتها المكشوفة... ومن ثم أهمية الإخفاء والتمويه وغير ذلك من فنون كشفتها معارك شمال أفريقيا. وأعود إلى هذين الرجلين الكبيرين وأقول أنهما حصلا فى سنوات الخمسينات على أعلى الدرجات العلمية سواء من بريطانيا... كلية أركان الحرب فى كمبرلى بانجلترا وأكاديمية "فرونزا" بالاتحاد السوفيتى.

من هنا كان الاحترام والتقدير يجمعهما... والفهم المشترك لقدرات الجيش وما يمكن أن يطلب منه تنفيذه وحدود إمكانياته...

أطلعت بعد الحرب... مثلما سبق وأن أوضحت... على الخطة جرانيت1 وجرانيت2 فى إطارها العام والتى كان "طه المجدوب" قد تركها أمانة لدى "حافظ إسماعيل" لكى يتحدث برأيه فيها مع القائد العام.... واجدنى أقف ولو لوهلة هنا وأقول اننى استغربت كثيراً أن يكون "حافظ إسماعيل" قد طرح ما تحدث به أمام اجتماع مجلس الأمن القومى المصرى يوم 29 سبتمبر برئاسة "الرئيس السادات" واختلافه فى الرؤية مع القائد العام "أحمد إسماعيل"... خاصة وأن الوثائق الموجودة فى مكتبه كانت تكشف الإطار العام للحرب وكيف ستدار عسكرياً... وأعلم من بعض وثيقى الصلة بالمشير "أحمد إسماعيل" أنه هو الآخر استغرب موقف ورؤية "حافظ إسماعيل" فى هذا اليوم... إلا أن المؤكد أيضاً أن ذلك الموقف لم يؤثر على علاقتهما التى بقيت وطيدة حتى النهاية.

ويبقى القول فى هذا السياق انه ينبغى ألا أقصر مؤشرات الاتجاه نحو الحرب على زيارة العميد "طه المجدوب" ولقائه بمستشار الأمن القومى... بل كان هناك غيرها الكثير... وفى مقدمتها كانت كثافة حديث الدبلوماسيين الغربيين مع سفراء مصر فى العواصم المختلفة حول التحذير من العمل العسكرى وانه يمكن أن يجر عليها عواقب وخيمة... وكذلك أحاديث كبار المسئولين الروس الذين لم يكن لديهم اقتناع بان لدى مصر قدرات وإمكانيات عسكرية أو أن لدى قادتها من العسكريين التأهيل اللازم للتعرض لإسرائيل فى معركة ناجحة ذات إطار واسع و/ أو شامل على كل امتدادات الجبهة فى قناة السويس والبحرين الأبيض والأحمر... وتقديرى بطبيعة الحال... كمصرى أؤمن بقدرة بلادى وجيشها... أننا كنا نختلف مع السوفيت هنا اختلافاً شديداً وعميقاً... إذ أن المؤكد أنهم لم يتفهموا ضخامة وعمق الإساءة التى حلت بنا فى عام 67... ورغبتنا فى الانتقام لشرف عسكريتنا وبلدنا...

كما أنهم وللأسف الشديد لم يتعلموا درس الحرب العالمية الثانية... عندما نجحت قوات الجيش الأحمر السوفيتى... سواء الجندى البسيط أو قائد التشكيل الرئيسى، بل والجيش... أن الجيوش... وتحت ضغط التحدى.... تستجيب وإذا ما استخدمت قدراتها بوعى وثاقب النظر... وتم تدريبها وتسليحها... فهى تنطلق لتنفيذ المهمة مهما صعب الأمر على الآخرين فهم الموقف. وأعود الآن لكى استأنف متابعة ملامح ومؤشرات الاقتراب من الحرب إذ أنه وعلى الجانب العسكرى كنت أرصد خلال شهور صيف عام 73 كثافة محاولات الاستطلاع الإسرائيلى الجوى على مستوى الجبهة أو العمق المصرى، إذ كانت الكثير من تقارير المخابرات الحربية التى ترسل إلى سكرتارية الرئيس للمعلومات لإطلاعه والتى كان مستشار الأمن القومى يحصل دائماً وكتعليمات مستديمة على صورة منها تعكس الاهتمام الإسرئيلى بالتعرف، وبشكل مكثف وفى توقيتات متقاربة، على تحركات القوات المصرية أو قياس ردود أفعالها تجاه مثل هذه الطلعات الجوية، وبالذات قواتنا الجوية.

وفى مواجهة كل هذه المؤشرات كان هناك، على الجانب الآخر، محاولات لإقناع مصر بمحاولة استكشاف احتمالات التوصل إلى حلول سلمية سياسية للموقف... وكان "تشاوتشيسكو" رئيس رومانيا من بين هؤلاء القادة الذين يلوحون بإمكانياتهم فى فتح قنوات اتصال مع "جولدا مائير" رئيسة وزراء إسرائيل فى هذا الوقت.... كذلك الرئيس اليوغسلافى "تيتو" الذى كان الحصول على دعمه لمثل هذه التحركات أمراً مطلوباً.

وفى وسط هذا الخضم من المناورات والاتصالات والتحركات... كانت مصر تسعى لتوفير الأرضية المناسبة لتضييق الخناق على إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة فى مجلس الأمن وبشكل يجردهما من الكثير من الدعم الدولى الذى ستحتاج مصر لبنائه لصالحها. إذا ما اضطرتها الظروف للدخول فى المواجهة المسلحة.

من هنا كان الاتجاه إلى عرض القضية - مرة أخرى - أمام مجلس الأمن. وأتذكر فى هذا الشأن أن "حافظ إسماعيل وحفاظاً على سرية أهداف التحرك المصرى وأهدافه من طلب عقد مجلس الأمن، أوفدنى فى مهمة إلى باريس "لليلة" واحدة فى شهر يوليو لكى أحمل إلى الدكتور "الزيات" وزير الخارجية وقتها توجيهات مكتوبة لما ينبغى التحرك فى إطاره من أهداف وذلك فى ضوء معلومات إضافية كان لها حساسيتها، وصلت مصر بعد مغادرة "الزيات" القاهرة فى طريقه إلى باريس ولندن لمشاورات مع وزراء الخارجية للبلدين استهدفت عزل الطرفين الإسرائيلى والأمريكى.

ودخلنا شهر أغسطس واستمر العمل والتحضير الدبلوماسى بكثافة شديدة وكأنها خلية نحل تعمل بإتقان للإعداد والترتيب. وصاحبت مستشار الأمن القومى والدكتور "عبد الهادى مخلوف" فى زيارة لعدة أيام فى النصف الثانى من أغسطس الى كل من رومانيا ويوغوسلافيا حيث التقينا بالرئيس "تشاوتشيسكو" فى منتجع منجاليا على البحر الأسود وحيث شرح له "حافظ إسماعيل" رؤية "الرئيس السادات" واستعداده لبدء مفاوضات غير مباشرة أو "مفاوضات عن قرب" عبر رومانيا وسؤال عن تقييمه عما إذا كانت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير تملك من عناصر القوة والقدرة على التفاوض وقبول الانسحاب من الاراضى المصرية والتحرك فى اتجاه تسوية فلسطينية عادلة... ام أنها تستمر تتمسك بهذه الأفكار التى تنكر وجود شعب فلسطين، الأمر الذى وصل بها يوماً ما للقول على نفسها "نحن الفلسطينيون" إنكاراً لوجود هذا الشعب المناضل... وتكررت نفس الرسالة مع يوغوسلافيا والرئيس "تيتو" فى منتجع آخر أكثر جمالاً هو مدينة دوبروفنيك الكرواتية الرائعة. ووعد الجانبان بنقل الرسائل إلى إسرائيل... وجاءت الردود باردة والتصريحات الإسرائيلية مليئة بالعجرفة... ومضت مصر فى طريق الحرب... ومضى أغسطس بحرارته المعهودة وانشغال أهل مصر بصيف مليئ بالتكهنات... ورأيت من ناحيتى أننا نقترب من أيام ثقيلة وأننى احتاج فعلاً إلى عدة أيام لكى أعيد فيها شحن بطاريات جسدى وعقلى... كما استشعرت أن هناك حاجة لكى أقضى عدة أيام مع "زوجتى" وابنى "الطفل كمال"... واستأذنت الدكتور "مخلوف" لأجازة قصيرة وسافرت إلى الإسكندرية...

وكعادتى كل صيف... قمت بزيارة اللواء بحرى "فؤاد ذكرى" قائد القوات البحرية فى منزله بمنطقة العجمى وتربطنى به صلة قرابة وثيقة... حيث جلسنا نتحدث... وهنا أجد لزاماً أن أشرح ولو بإيجاز شديد شكل هذه العلاقة التى تجمع دبلوماسى صغير السن – ثلاثون عاماً وقتها – وقائداً للبحرية المصرية لمرتين... احدهما ما بين 67 – 69 والأخرى بين عامى 72/74... إذ انه كان يعلم باهتمامى الشديد الذى يقرب من الولع بدراسة التاريخ العسكرى والإستراتيجية الحربية وشخصيات التاريخ والقادة... وهو على الجانب الآخر يقرب من كونه مؤرخاً بحرياً... ولاشك أن دراسته فى بريطانيا وإتقانه اللغة الانجليزية سهلت عليه الاطلاع على الكثير...

من هنا كانت مناقشاتنا مثرية جداً... وكان يتحدث دائماً معى بكل الجدية والوضوح. وأقول فى مسار حديثى معه فى ذلك اليوم اننى تطرقت إلى ما أرصده من مؤشرات وما أراه من ملامح من اقتراب شىء ما كبير... خاصة وقد وضح أيضاً أن الأيام الأولى من سبتمبر 73 بدأت تشهد توترات بين إسرائيل وسوريا... وعقب "فؤاد ذكرى" بقوله، ولاحظت هنا انه يتحدث بتحفظ شديد، "أننا سوف نقطع أوصال اتصالاتهم وخطوطهم البحرية وسنضربهم بعنف.... وسنربك خططهم ونلقنهم درساً"... وتصورت رغم معرفتى الوثيقة به... انه يتحدث من منطلق وطنيته وحبه لبلاده ولم أتبين ما كان يقصده إلا بعد بدء الحرب وانكشاف تواجد الوحدات البحرية المصرية فى مدخل باب المندب وعلى سواحل اليمن ولكى تصل الرسالة إلى إسرائيل... بأن سيطرتها على مضيق شرم الشيخ أو تيران وصنافير لا يجديها نفعاً وأننا نستطيع أن نغلق عليها البحر الأحمر ونمنع وصول سفنها إلى ميناء ايلات.

ويجب هنا ألا أترك هذه المناسبة دون أن اعبر عن عميق الإعجاب بهذا الرجل الذى قاد البحرية المصرية باقتدار فى ظروف بالغة الصعوبة وأدار معاركها بحنكة وحذر حقق من خلالهما الكثير من النتائج التى كان لها تأثيرها على المعركة وبخاصة فى ختامها. وأقول مرة أخرى أن "فؤاد ذكرى" كان مطلعاً إطلاعاً واسعاً على الاستراتيجيات والمعارك البحرية وبالذات تاريخى الحرب العالمية الأولى والثانية، وكثيراً على مدى السنوات ما ذهبت إليه شارحاً رؤية أو تفصيل متعلق بقراءتى لمقال هنا أو كتاب هناك يتناول المسائل البحرية ومعاركها المختلفة وكان دائماً على اطلاع واسع ومتخصص ليس فقط كضابط بحرى ولكن أيضاً كمؤرخ متعمق فى كل جوانب التاريخ الحربى البحرى....

ومضينا "فؤاد ذكرى" وأنا، نتحدث فى منزله الساحلى... وإذ يذاع فى الراديو أن اشتباكاً جوياً قد وقع فى هذا اليوم بين سوريا وإسرائيل وقالت إسرائيل أنها أسقطت ثلاثة عشر طائرة ميج سورية وفوجئ "ذكرى"... بل وظهر عليه الكثير من القلق، خاصة أننا كنا قد انتهينا لتونا من التحدث حول لقاءات مصرية سورية على مستوى القائد العام والقيادات المصرية للقوات المسلحة مع قرنائهم فى سوريا بمدينة الإسكندرية... لقاءات كنت أعلم بها... وأن "فؤاد ذكرى" كان يشارك فيها وأسرع يجرى اتصالاته التليفونية مع حجرة عمليات البحرية ثم مع عمليات القوات المسلحة... ويعود واجماً لما علمه من أن هذه الأخبار الإسرائيلية فى الغالب صحيحة... وظهر لى بعد ذلك أن هذا القلق العميق لم يقتصر على "فؤاد ذكرى" بل امتد إلى كل قيادات القوات المسلحة التى كانت تعد لمعركة أكتوبر بمشاركة من سوريا التى اعتمدنا عليها لتوزيع جهد العدو وتشتيت قدراته بضربة من الشمال والجنوب.

وقد يتذكر القارئ الكريم أن المقالين السابقين والذى يجب أن أقول أيضاً أن مجلة روزاليوسف قد قامت بنشرهما سوياً... تناول احدهما بداية الحرب، والأربعة والعشرين ساعة أو ربما الست وثلاثون ساعة الأولى من رصد الاقتراب المباشر من المعركة أو اليوم الأول لها... ثم ثانيهما الذى عالج إشكالية وقف القتال وتحقيق أهداف الحرب مثلما حددها "الرئيس السادات" ونفذتها قيادة واعية وعاقلة للقوات المسلحة وجيش تم تدريبه على المهمة ومتطلباتها على مدى أكثر من ست أعوام...

وفى مقال اليوم أتطلع إلى تغطية بقية أيام الأسبوع الأول من الحرب وما وقع خلالها من أزمة أو أزمات كثيراً ما تقع خلال الحروب والصدامات المسلحة وتكشف فى الحقيقة مدى عمق وتصميم القائمين على الحرب أو فقدانهم لعناصر فهمها وبكل تداعياتها نصراً أو خسراناً...

والشاهد فقد كان يوم الاثنين 8 أكتوبر يوماً – طبقاً ليومياتى – يتسم باستمرار انسياب الحشد المصرى إلى سيناء... ووصل عمق القوات فى بعض مناطق رؤوس الكبارى الخمسة 15 كيلوا متراً ونجحت هذه الفرق الخمس فى توحيد مواقعها فى رأسى كوبرى للجيشين الثالث بالجنوب والثانى بالشمال... ورصدت فى هذا اليوم وحسب تقارير المخابرات الحربية... أن القوات الجوية المعادية مبعثرة المجهود على جبهتنا... كذا قدرتها على الشوشرة الالكترونية محدودة.... ووضح أن مصر قد قضت على خط بارليف الذى وضع العدو فيه الكثير من ثقته. واستمر الجيش ينتظر الضربة الإسرائيلية المضادة... والتى لم تأت... ولكن جاءت بدلها هجمات مضادة متفرقة ضربتها قواتنا محدثة بهم الكثير من الخسائر... وعلى الجانب الآخر كان هناك مؤشرات بأن سوريا هى الأخرى حققت نجاحات كبيرة فى الجولان واقتربت قواتها المدرعة من الجليل الأعلى... إلا أنه ظهر أيضاً أن القوات الجوية الإسرائيلية تركز على التصدى للتهديد السورى المباشر على إسرائيل... ووقعت خسائر كبيرة للغاية... وبدأت مصادر سوفيتية تتحدث عن رغبة سورية فى وقف القتال وقد نجحت قواتها حتى تاريخه فى هذا الصدام... وسجلت فى يومياتى ليوم الاثنين 8 أكتوبر سعت 2330 "أن سوريا تميل إلى وقف إطلاق النار ويردد السوفيت هذا فى أكثر من عاصمة".... واستشعرت الكثير من القلق بل والوجل لعواقب هذا الوضع إذا ما صح أو تحقق.... إذ أن إسرائيل قد تقبل به وتركز بعد ذلك على الجبهة المصرية... وإنهى متابعة اليوميات لهذا اليوم الاثنين 8 أكتوبر سعت 2400 "أن القيادة العسكرية السوفيتية تبلغنا... من واقع متابعة تطورات القتال أن لديها قلق من عدم وجود عمق كاف لرؤوس الكبارى... ويطمئنهم "الرئيس السادات" بأننا سنداوم تعميق هذه الكبارى وتوحيدها فى كبريين رئيسيين"... ثم يجئ يوم الثلاثاء 9 أكتوبر وأسجل فى اليوميات.... سعت 0200 أن هجمات العدو لازالت متفرقة وغير قادرة على إحداث أى اختراق لكبارينا... كما أن الجهد الجوى المعادى لم يحقق منع استمرار تعزيز وتشوين المعدات والذخيرة للجيشين فى سيناء... ثم يأتى ذكر سوريا.... مرة أخرى.... وتعكس معلومات السوفيت لنا... وبقية مصادرنا الرسمية وغيرها... أن إسرائيل قد فرضت على الجيش السورى الانسحاب مرة أخرى من الجولان وبخسائر فادحة... وأن هذه القوات قد حاربت ببسالة منقطعة النظير... وبالذات الوحدات المدرعة التى الحق بها خسائر فادحة.... وعلى الجانب الآخر بدأت القوات الإسرائيلية المدرعة والجوية نشاطاً عالياً ضد الجبهة المصرية وفى محاولات إما لاختراق رؤوس الكبارى... وبالذات فى القطاع الأوسط للجيش الثانى أو لفتح ثغرات فى دفاعات بطاريات الصواريخ على جانب القناة فى الغرب...

وتكشف اليوميات فى هذه اللحظات سعت 0200 من يوم 9 أكتوبر صعوبة الموقف والاقتراب من الأزمة... إذ يعود الوزير "عبد الفتاح عبد الله"، وزير الدولة بمجلس الوزراء، والمصاحب "للرئيس السادات" فى قصر الطاهرة والذى حضر وشارك فى كل مقابلات الرئيس مع السفراء وغيرهم... يعود إلى قصر عبد المنعم (الحرية) لكى يفرغ مجموعة المقابلات التى تمت خلال اليوم... ويكلفنى الدكتور "عبد الهادى مخلوف"... مرة أخرى... بالإشراف على موظف الآلة الكاتبة المناوب... وحتى أساعده أيضاً... بالإضافة إلى الحفاظ على سرية المضمون... لفك طلاسم شفرة خط "عبد الفتاح عبد الله" الذى كان يصعب قراءته إلى حد كبير.... وأقول لقد فزعت من مضمون المحضر... إذ كان يعكس رسالة من "برجنيف" السكرتير العام للحزب الشيوعى السوفيتى والمسيطر على القرار السوفيتى من خلال المكتب السياسى للحزب... يقول فيها... أن سوريا ترغب فى التوصل إلى وقف فورى لإطلاق النار.... وأن "برجنيف" يشجع هذا الاتجاه... بل ويحث "الرئيس السادات" على القبول به خشية استمرار العمل العسكرى وتركيزه على سوريا وصولاً إلى دمشق بكل ما يعنيه ذلك من تهديد لمستقبل الوضع بالمنطقة والمصالح السوفيتية بالإقليم وفى علاقتها بالقوة العظمى الأخرى... ويجب أن أعترف هنا أن شعوراً هائلاً بالجذع داخلنى لاحساسى بخطورة هذه الرسالة السوفيتية... إلا أن رد "الرئيس السادات" كان حازماً... سوف تمضى مصر فى المواجهة المسلحة حتى تحقق كامل الأهداف السياسية المصرية... وأضفت فى اليوميات... فى نفس هذه الفقرات سعت 0200 من يوم الثلاثاء 9 أكتوبر... "الموقف مع سوريا تاريخى"... الرئيس يرسل مندوباً للتحدث مع الرئيس السورى بأهمية الاستمرار فى المعركة مع التحول للدفاع وبهدف استنزاف العدو... مع طلب المزيد من العتاد من السوفيت فى إطار الإمداد العسكرى... وإشراك الجيش العراقى الذى يتحرك ببطء.

وأصل الآن وفى هذا الاستعراض ليوم الثلاثاء 9 أكتوبر... أى نهار هذا اليوم... لكى أسجل سعت 1830... "الموقف جيد/ خسائر العدو مخيفة/ صدت جميع الهجمات المضادة ضد قواتنا/ العدو يستهلك قواته كأجزاء وليس ككل متكامل... وهذا بسبب التسرع والرغبة فى إحداث أثر علينا... من هنا خسائره/ واللواء الإسرائيلى المدرع 190 مثال على ذلك/ "أحمد إسماعيل" يبلغ "حافظ إسماعيل" تليفونياً سعت 1600 أن الألوية المدرعة الثلاثة الإسرائيلية فى مواجهة قواتنا قد أصبحت غير قادرة على القتال" ويقول "حافظ إسماعيل" أيضاً أن الجيش سيتقدم مرة أخرى بعد مرحلة إعادة تنظيم وترتيب أوضاع.... الوقفة التعبوية الشهيرة التى دار حولها الكثير من الحديث واللغط والتى قد أتطرق إليها فى مقالات أخرى، مستقبلاً.

ولا يفوتنى هنا أن أذكر واقعة خلال هذا اليوم الذى اتسمت كل أخباره على الجبهة المصرية بالإيجابية... أن "حافظ إسماعيل" وفى حديث  لى معه فى شرفة القصر فى مساء هذا اليوم... انه يستشعر الآن أنه يستطيع أن يلتقى وفوراً مع أى مسئول إسرائيلى وبالتحديد "إيجال ألون" صاحب الأفكار المختلفة للتسوية مع العرب... وفى أى مكان إذ أن الجيش ضربهم وكشف حدود إمكانياتهم، والحقيقة فقد دهشت عندئذ لهذه الجرأة فى التفكير والمبادرة... إلا أن الحقيقة أن هذا الموقف كان يعكس تقديره الممتاز لأهداف العمل العسكرى... واستخدام نجاحاته لتحقيق المزايا والأهداف السياسية المطلوبة...

وتقترب اليوميات من سعت 2000 من يوم الأربعاء 10 اكتوبر لكى تقول وبالحرف "السوفيت يضغطون على الرئيس لقبول وقف إطلاق النار/ الرئيس يرفض بحزم/ احتد على السفير السوفيتى وهدده بفضح الموقف السوفيتى/ طلب منه أيضاً أن يستمر السوفيت بالإمداد بالمعدات والجسور والآرايل المطلوبة لبطاريات الصواريخ.. وبجسر جوى عاجل وإلا فإنه سوف يخرج للأمة بالحقيقة/.. من الواضح أن السوفيت يتعرضون لضغط أمريكى.... وهو لاشك ما يخشاه أيضاً "الرئيس السادات".

وأصل فى هذا الاستعراض للفقرة الحاسمة فى هذا اليوم... وربما فى أزمة الأسبوع الأول للحرب... عندما أتصل "الرئيس السادات" تليفونياً بالرئيس "الأسد"... وقد أوضح الرئيس السورى اقتناعه بأن موقف سوريا العسكرى جيد للغاية وأنها صدت الاختراقات الإسرائيلية وأوقفتها... وقام الرئيس المصرى بإبلاغ الرئيس السورى بالموقف من السوفيت. وتأتى بعد ذلك رسالة مندوب الرئيس إلى سوريا بعد حديثه مع السوريين ويؤكد أنهم ماضون فى الصدام... وهنا يجب أن أعترف أن اليوميات تكشف ولأول مرة قلقى من الموقف السوفيتى والكثير من الشكوك التى تموج فى رؤوس القادة المصريين تجاه السوفيت... وربما أيضاً بعض القلق والتحسب من الرؤية السورية للحرب وأهدافها والحاجة القوية للتنسيق السياسى والعسكرى بين الجانبين العربيين اللذين كانا يعملان باتساق عسكرى ولكن عن مبعده عن بعضهما البعض سياسياً.

لقد حاول السوفيت إقناع "الرئيس السادات" بقبول وقف القتال... وتقديرى أنهم كانوا يخشون أن تستخدم الولايات المتحدة إمكانياتها كلها لدعم إسرائيل وبشكل يحقق للأخيرة التفوق فى المعركة وبما يؤثر تأثيراً سلبياً على المصالح السوفيتية. وعندما رفض وبحزم... استشعروا الحاجة للحفاظ على علاقتهم به مهما كانت تتصف بالتوتر أو عدم الثقة والشك... من هنا أتخذ القادة السوفيت قرارهم ببدء الإمداد للجيشين السورى والمصرى وتعويض الخسائر وتلبية الاحتياجات... إلا أن المؤكد أن التصرفات السوفيتية تجاه الجيشين كانت تعكس تفضيل احدهما على الآخر أو على الأقل الإحساس بالحاجة الضرورية لدعم احدهما فوراً فى مقابل تزويد الثانى... الجيش المصرى... بما يطلبه ولكن كأولوية ثانية.

وترصد يومياتى أن السوفيت وقد اتخذوا قرار الإمداد فقد حركوا بعض الوحدات المدرعة السوفيتية إلى ميناء "اودسا" لكى تسلم دباباتها إلى السفن السوفيتية للإبحار الفورى... وتقول معلوماتنا المؤكدة عندئذ أن السوفيت وما بين الفترة من 8 إلى 11 أكتوبر أرسلوا ربعمائة دبابة سوفيتية وصلت اللاذقية فى مساء يوم 11 أكتوبر وجرى تفريغها فوراً لاستخدامها من قبل الجيش السورى الذى كان قد فقد الكثير منها. وكان الملاحظ أيضاً أن القوات الجوية الإسرائيلية ابتعدت فى هذه الأيام عن ميناء اللاذقية ونتيجة لرسائل سوفيتية حادة بأن الهجوم على أى من السفن السوفيتية فى أثناء رحلتها إلى اللاذقية أو بداخل الميناء سيكون له عواقبه الخطيرة. وعلى الجانب الآخر انتظرت القوات المسلحة المصرية لحين وصول أعداد كبيرة من آرايل بطاريات الصواريخ التى كانت تدمرها إسرائيل بشكل كثيف لتعمية الدفاع الجوى المصرى... كما انتظرنا صورايخ الفولجا ذات المدى الأبعد للدفاع بها عن القوات فى عمق سيناء، ولاشك أن صاحب فلسفة الهجوم المصرى قد خطط أعمال الهجوم وتوقيتاته وإيقاعه بشكل يؤمن عدم خروج القوات البرية المصرية خارج مظلة دفاعات الصواريخ المضادة للطائرات.... كما أنه فضل عدم السماح باستهلاك القوات الجوية المصرية فى صدامات مع إسرائيل قد تؤدى إلى تدميرها.... من هنا كانت أهمية الدفاع الجوى لكل فلسفة المعركة.... ومن هنا أيضاً كانت اتصالات "الرئيس السادات" التى تكشفها مقابلاته مع السفير السوفيتى تركز على هذا النوع من الإمداد تحديداً... وأخذنا نقترب من لحظة تطوير الهجوم... وهى مسألة كنا ننتظرها جميعاً منذ الوثوب على خط بارليف وتدميره وضرب الهجمات المضادة المتناثرة.... وكان البعض يستشعر تأخرنا فيها وكان البعض الآخر يتفهم احتياجاتها لتأمين القوات بالكامل ضد الهجمات الجوية الإسرائيلية مثلما وسبق القول.... لقد ركز الإسرائيليون على سوريا فى الأيام الأولى لتلقيهم الضربة الافتتاحية للمعركة... وقدر البعض وكنت منهم أن هذا التصرف الإسرائيلى فى التركيز على سوريا أولاً يجافى المنطق... إذ أن تجربة الحروب فى مثل هذا النوع من الصدامات تفرض على هؤلاء الذين يعملون على "خطوط داخلية" أن يركزوا على الطرف الأقوى والأكثر تأثيراً لهزيمته... ثم التحول إلى الطرف الأضعف والأقل خطراً... إلا أن المؤكد أيضاً أن اقتراب المدرعات السورية من الجليل الأعلى فرض على القيادة الإسرائيلية أن تركز على مفهوم "سوريا أولاً"... ومن ثم ظهر هذا الوضع الخطر الذى تعرض له الجيش السورى... وحدوث الاختراق الذى أدى إلى هذه الحساسية المفرطة لدى السوفيت... ثم القيادة السورية... وفرض أيضاً على مصر أن تتحرك فى اتجاه التطوير ومحاولة إما الوصول إلى الممرات بسيناء أو مجرد السعى إلى التخفيف عن سوريا بعملية برية كبيرة من الجنوب على الجبهة المصرية... من هنا اقتربنا من الأزمة الثانية فى الحرب... وآمل أن تكون تلك محل مقال آخر قادم يتناول أيضاً اتصالات "الرئيس السادات" الخارجية وكيف استمرت مصر فى عملها الدبلوماسى النشط حتى مع استمرار صدام الدروع. وقد يكون من المناسب وقبل أن اختتم هذا المقال أن أتطرق إلى اليوميات فى يومى الجمعة 12 والسبت 13 أكتوبر وحيث تعكس إلى حد كبير ما كنا نستشعره من حساسية الموقف... وقد كتبت سعت 150 يوم الجمعة بأن "موقف سوريا العسكرى سئ للغاية/ تقدمت مدرعات إسرائيل نحو دمشق فى اختراق عمقه 5 كم/ السوريون يهاجمون بعنف لرد الاختراق/ ماذا سيحدث إذا ما خرجت سوريا من المعركة/ سنستمر طبعاً/ هل فقدنا المبادأة/ - ربما -/ مازلنا فى انتظار الصواريخ الفولجا/ ويبلغنا السوفيت أنها ستصل اليوم أو غداً/ من الواضح أن المعركة ستكون أطول كثيراً مما تصورت... ربما خمسة عشر يوماً أخرى/ سيوجه الإسرائيليون جهدهم الأساسى قريباً ضدنا/ الرئيس يمارس ضغوطه على أمريكا من خلال دول الخليج البترولية/ كذلك من خلال استمرار الحوار مع "كسنجر" عبر "حافظ إسماعيل"/ حذرنا الأمريكيين أننا سنضرب المدنيين فى إسرائيل إذا ما استمرت فى ضرب المدنيين المصريين/ هذا هو التحذير الثانى/ بدأ الجسر الجوى السوفيتى إلى مصر منذ الأمس/ هل سنلحق باستخدام الصواريخ الجديدة/ هل ستصلنا كميات معقولة لكى تكون مؤثرة/ أتمنى/ وصلتنا معدات كبارى إضافية/ أتصور أن العدو سيهاجمنا بحدة قريباً... وسوف نرد عملياته ونهزمها ثم ننطلق تحت غطاء الصواريخ... بل ربما ننطلق قريباً جداً قبل بدء هجوم العدو الكبير/ الموقف حساس.. لم يصل إلى كونه حرج/ ربما بعد يومين/ أمامنا الآن ثلاث مجموعات قتال إسرائيلية/ المستشار "حافظ إسماعيل" متضايق وعصبى جداً بسبب الوضع السورى...

أما ما سجلته يوم السبت 13 أكتوبر فى ساعاته الأولى فقد ركز على سوريا وحيث قلت "الهجوم المضاد السورى نجح فى وقف الاختراق الإسرائيلى/ الجميع متفائل... سوف تنجح سوريا فى رد الاختراق".

 

الجزء الرابع: أزمات الفترة من 13 – 21 أكتوبر واستمرار تناسق العمل العسكرى والدبلوماسى

 

قرأت منذ سنوات فى كتاب شهير لرجل الدولة البريطانى "تشرشل" مقولة رائعة نصها "أن الأدميرال "جون جيلكو" هو الشخص الوحيد على الجانبين الألمانى والبريطانى الذى كان يمكن بتصرفاته وأدائه أن يؤدى إلى خسران بريطانيا للحرب خلال نصف نهار".

كان "تشرشل" وزيراً للبحرية البريطانية إبان الحرب العالمية الأولى وحتى خروجه فى عام 1916، بعد فشل غزو شبه جزيرة جاليبولى ومحاولة اختراق الدردنيل، وكان يقصد بهذه المقولة، الأدميرال "جيلكو" قائد "الأسطول الكبير البريطانى" فى معركته مع أسطول أعالى البحار الألمانى فى معركة جاتلاند وحيث اصطدم الأسطولان للمرة الأولى والأخيرة بكامل إمكانياتهما فى عام 1916 ولم يتمكن الأسطول البريطانى من تدمير خصمه الأضعف من حيث القدرة أو التجربة تحت قيادة الأدميرال الألمانى الشهير "برنس شير". بل على العكس انتهت المعركة خلال يوم واحد، شهد أحد أكبر معارك التاريخ البحرى وبعد خسائر بريطانية أكبر عدداً فى السفن الرئيسية مقارنة بما حل بالألمان.

وتحدث الكثيرون وكتبوا بعد المعركة وكذلك بعد انتهاء الحرب فى عام 1918 يتساءلون عن أسباب حرص أو حذر الأدميرال "جيلكو" وأسباب عدم استثماره لتفوقه الكبير فى حسم المعركة عن طريق نهج أكثر جراءة وعدوانية.... وجاءت مقولة "تشرشل" لكى تعطى "جيلكو" حقه بالكامل ... إذ أن هزيمة الأسطول البريطانى فى هذا النهار كانت ستؤدى بلا شك إلى هزيمة كاملة لبريطانيا فى صدام الحديد والنار الذى جرى مع ألمانيا على أرض القارة الأوروبية. وينبغى هنا أن أشرح أسبابى فى بداية مقال اليوم بهذا التقديم وهذا الاستعراض لمعركة "جاتلاند" الشهيرة.... إذ استشعرت دائماً أن مصر ألقت على عاتق "أحمد إسماعيل على"، القائد العام للقوات المصرية المسلحة مسئوليات جسام وأن الرجل تحمل هذه المسئوليات باقتدار حاسباً وبكل دقة قدرات وإمكانيات القوات المسلحة والمهام التى يمكن أن تنجزها والأهداف المطلوب تحقيقها والوصول إليها وأخيراً الكيفية التى يمكن بها ومن خلالها حفز القوات والأفرع الرئيسية لها على تحقيق الهدف العسكرى ومن ثم الأهداف الإستراتيجية السياسية للحرب... وأجدنى أمضى فى القول اليوم أن "أحمد إسماعيل على" وبعميق خبرته وحكمته كان يعى بدقة أن هدف العمل العسكرى المصرى عبر القناة ليس هو فقط تحطيم خط بارليف وكل نقاطه وحصونه – ويجب هنا أن نؤكد أنه خط محصن بعمق يستند إلى مانع مائى عريض ويماثل فى تحديه ما يمكن أن يكون قد واجهته أى من جيوش الحرب العالمية الثانية بكل قدراتها – ولكن أيضاً فى احتلال هذا الشريط الممتد على طوال الجانب الشرقى للقناة وضرب الهجمات الإسرائيلية المضادة وتأمين انتهاء الصدام المسلح ولدى مصر قوات قادرة وفاعلة وذات تأثير داخل أرض سيناء – حتى ولو كان ذلك على شريط لا يتجاوز 10/15 كم – وبذا تكون مصر قد حطمت نظرية الأمن الإسرائيلى وفرضت على الإسرائيليين والولايات المتحدة ضرورة التحرك لتسوية سياسية.

من هنا أمسك "أحمد إسماعيل على" بتلالبيب قواته ومنع أى من وحداته الرئيسية التابعة للجيشين الثانى أو الثالث من الانجراف المتسرع للخروج من رؤوس كبارى الفرق الخمس المشاة بل وصمم على مقاومة كل تفكير بضرورة وأهمية التحرك الفورى لاستغلال النجاح الابتدائى والافتتاحى للمعركة بعد تحطيم خط بارليف ونجاح فرق المشاة فى ضرب كل الهجمات المدرعة المضادة وهزيمتها والتواجد بالتالى على الخطوط التى حددت منذ البداية لتحقيق الهدف الابتدائى والنهائى للعملية العسكرية وبتوابعها السياسية الإستراتيجية.

لقد جاء النجاح المصرى الابتدائى بثمن يقل كثيراً عما توقعته القيادة العسكرية والسياسية فى إدارتها للحرب... من هنا تعرض "أحمد إسماعيل على" لضغوط تحثه على أهمية استغلال النجاح والدفع بالقوات وإطلاقها فى اتجاه الممرات الرئيسية فى عمق سيناء [ممرى متلا/ والجدى]... وذكر البعض أيضاً فى معرض تحليل المعركة والصدام العسكرى، واعتماداً على ما نشر بعد الحرب، أن رئيسة الوزراء الإسرائيلية "جولدا مائير" صدمت لانهيار "موشى ديان" وزير الدفاع وكذلك الجنرال "جونين" قائد الجبهة الجنوبية لإسرائيل عندما عادا إليها فى اجتماع عاصف عقد يوم 9 أكتوبر فى مقر قيادة الجنوب فى وسط سيناء طالبا فيه بالنظر فى سحب القوات الإسرائيلية المتواجدة فى مواجهة المصريين إلى عمق سيناء وخلف المضايق... إلا أن "مائير" منعت هذا الانسحاب وقررت اللجؤ وبشكل فورى إلى الولايات المتحدة لمطالبتها بالتحرك الفورى للإمداد بكل الاحتياجات الإسرائيلية من السلاح والذخيرة... ودار جدل فى واشنطن وذلك حسبما كشفت السنوات التالية للحرب ودار نقاش بين الدفاع والخارجية وأخذ فى الحسبان رد الفعل العربى وبالذات فى مسائل الإمداد العربى بالبترول للعالم الغربى... وحسم الأمر لصالح الخارجية و"كسنجر" الذى دفع بأهمية عدم السماح للسلاح السوفيتى، حتى ولو كان فى أيدى مصرية، بهزيمة السلاح الأمريكى، ومن ثم اتخذ قرار أمريكى بالإمداد لإسرائيل بكل احتياجاتها وأكثر واستخدام كل الطاقات البحرية والجوية الأمريكية لتحقيق هذا الهدف.

وأستذكر هنا، وللرد على هذه الآراء القائلة بأنه كان ينبغى تطوير الهجوم ابتداءً من يوم 10 أكتوبر وقد صدت كل الهجمات المدرعة المضادة التى قامت بها إسرائيل، بالقول أن "أحمد أسماعيل على" كان يعلم أن السوفيت لا يرغبون فى قيام الجانب العربى بكسر وقف إطلاق النار... وأن مصر وكذلك سوريا نجحتا فى وضع السوفيت تحت ضغوط هائلة، استراتيجياً وسياسياً، للمضى فى الإمداد بالسلاح وتمكين الجيش المصرى والقوات الجوية المصرية من بناء قدراتهما خاصة فى فترة العام الممتد ما بين أكتوبر 72 وحتى أكتوبر 73... بل أقول أن مصر نجحت وببراعة ليس فقط فى إعطاء الانطباع لإسرائيل والغرب أنها غير مهيأة عسكرياً ولكن أيضاً فى خداع السوفيت الذين تصوروا أنها غير قادرة بكوادرها وقياداتها على استخدام هذا السلاح فى يد المقاتل المصرى...

وكانت تصلنا الكثير من تقارير سفاراتنا ودبلوماسينا فى مناقشاتهم مع قرنائهم من الغربيين والأوروبيين بأن الجميع يتوقع أن يتقادم السلاح السوفيتى لدينا خلال عامين وأنه يصعب تصور موافقة السوفيت أو انجرافهم للمزيد من تعويض العرب بالجديد والمتطور من المقاتلات والدبابات والأسلحة الثقيلة... وفى اعتقادى الجازم، أن "أحمد إسماعيل على"، القائد العام للقوات المسلحة كان يقدر أن فقدانه لهذا الجيش، مرة أخرى، أو تكرار هزيمة 67 سوف يمثل الضربة القاضية لمصر ونجاح إسرائيل على الجانب الآخر فى الإمساك بسيناء لعقود وربما أجيال قادمة... من هنا جاء حذره الواضح فى تقييد الجيش وعدم الخضوع لمغريات التطوير ومزاياه... حيث عواقبه أيضاً كانت ماثلة أمامه...

وفى هذا السياق يجب أن أنقل عن مستشار الأمن القومى المصرى، "محمد حافظ إسماعيل"، فى معرض تحليله لهذه الرؤية، قوله فى كتابه عن الأمن القومى المصرى ومعركة أكتوبر.... "انه وبإتمام القوات المسلحة تحقيق هدفها المباشر بتاريخ 10 أكتوبر، فينبغى أن أشير إلى اننى وكنت من خلال أحاديثى مع الفريق أول "أحمد إسماعيل على" قبل نشوب الحرب، أدرك أنه لا ينوى التقدم حتى الممرات الجبلية وأن ما جاء بتعليمات عمليات القيادة العامة بأن الهدف هو احتلال المضايق إنما قصد به أن يستحث القيادات الصغرى خلال مرحلة بناء رؤوس الكبارى على استمرار التقدم حتى الهدف المباشر للجيش".

وأستمر الحشد المصرى بالتالى يتابع تجهيزاته وتحصيناته فى شرق القناة حتى دهمتنا الأزمة الأولى للمعركة مثلما سبق القول فى المقالين الأخيرين المنشورين بجريدة الأهرام يومى 9 و 10 يناير 2010، ومجلة روزاليوسف يوم 9 يناير 2010.

وأجد هنا وقبل الاستمرار فى سياق رؤيتى لهذه التجربة الشخصية للحرب وفى أسلوب إدارتها عسكرياً وسياسياً لزاماً أن أعود وبإيجاز إلى عرض المقالات الأربع السابقة لكى أربط المسار بعضه البعض وحتى تكتمل الصورة مع التأكيد على قناعتى بأنه - وعندما تقرر الدول والمجتمعات أن تنهج نهج الصدام المسلح وتستخدم القوة العسكرية - فإن واجب الدبلوماسية هو استمرار التحرك لتأمين النجاح للعمل العسكرى وعدم إتاحة الفرصة لإعاقته.... وأخيراً استمرار البحث والسعى لاستكشاف كل الفرص التى ستتاح من أجل التوصل إلى الوضع الاستراتيجى والسياسى الأمثل عند الاتفاق على وقف إطلاق النار. وهذا فى تقديرى كان الشغل الشاغل عندئذ "لحافظ إسماعيل"، مستشار الأمن القومى "للرئيس السادات" ومجموعة العمل المصاحبة له.

وقد يتذكر القارئ الكريم أن المقال الأول الذى نشر فى 6 أكتوبر 2009 فى صحيفة الأهرام، تناولت فيه الاقتراب من الحرب واليوم الأول أو ربما الستة وثلاثون ساعة الأولى للعمل العسكرى والظروف التى كانت تخيم علينا جميعاً ثم تحقيق المفاجأة الإستراتيجية وما تبعها من ثقة مصرية بالنفس... ثم صدر المقال الثانى فى يوم 27 أكتوبر لكى يستعرض وقف القتال وتحقيق مصر إلى حد كبير أهدافها من الصدام المسلح وباعتباره ترجمة عملية دقيقة لمفهوم الحرب وهى امتداد للسياسة بوسائل العنف المسلح... وأخيراً المقال الثالث الذى استعرضت فيه أزمات الأسبوع الأول للحرب سواء على جانب تدهور أوضاع الجبهة السورية أو على جانب المساعى المشددة التى قام بها السوفيت لإقناع "الرئيس السادات" بقبول وقف إطلاق النار ورفضه الحاد لذلك.

وكانت صحيفة الأهرام قد نشرت هذا المقال الثالث على مدى عددين يومى 9 و 10 يناير 2010.

واليوم نعالج وعلى مدى عددين بالأهرام تطورات العمل العسكرى وأزماته فى الفترة من "الاضطرار" لتطوير الهجوم المصرى والانطلاق شرقاً وما صاحب ذلك من استمرار عمل دبلوماسى هادئ يحبس أنفاسه انتظاراً لنتائج التطوير ولكى نصل إلى اللحظة التى نقدر فيها أن مصر وصلت إلى النقطة المبتغاة فى تحقيقها لأهدافها العسكرية ونبدأ فى السعى لجنى المكاسب السياسية.

وأبدأ بالقول أن تدهور الوضع على الجبهة السورية فرض على مصر أهمية التحرك لتخفيف الضغط على الجيش السورى واجتذاب قوات إسرائيلية رئيسية على جبهة سيناء... إلا أن الملاحظ أن العدو الإسرائيلى كان وابتداءً من يوم 12 أكتوبر يدفع بالكثير من وحداته الرئيسية فعلاً فى اتجاه سيناء، كما كشف تقرير للاستطلاع المصرى فى سيناء، أرسلته العناصر المصرية المنتشرة فى العمق وراء خطوط العدو، وفى اليوم نفسه تم رصد أيضاً، تحرك كميات كبيرة من معدات الكبارى المنقولة وبما يؤشر إلى نية إسرائيل فى القيام بمحاولة لعبور قناة السويس... وقد استغربت كثيراً عند قراءتى لهذا التقرير المعروض على "حافظ إسماعيل" مستشار الأمن القومى... إذ كيف يتصور الإسرائيليون أنهم سينجحون فى إزاحة القوات المصرية المتمركزة أمامهم وكيف يمكنهم التعامل مع الفرق المدرعة المصرية والأخرى الميكانيكية المتواجدة غرب قناة السويس وبالقرب منها وهى الفرق المدرعة 21 ، 4 والأخرى المشاة الميكانيكى 23 ، 6... وعلى أى الأحوال فمن الواضح أن هذه المعلومات لم تفرض اعتباراتها على "الرئيس السادات" الذى صمم على تطوير الهجوم... أو على رؤية القيادة العامة التى تحركت تحت توجيهاته.... ومن جانبى أعلم أن جدلاً حاداً دار... ونما إلى علمنا فعلاً فى هيئة مكتب "حافظ إسماعيل" فى هذا اليوم – 13 أكتوبر - أن قائد الجيش الثانى اللواء "سعد مأمون" كان يقاوم فكرة التطوير لساعات طويلة حفاظاً على القوات وتوازن الجيش على جانبى القناة، وأنه وفى سياق جدله مع القيادة العامة أصيب بأزمة قلبية خفيفة فرضت انزوائه وتكليف اللواء "سعد خليل" بمهمة قيادة الجيش الثانى.

وكتبت فى يومياتى سعت 1700 من يوم السبت 13 أكتوبر "أن أمام قواتنا حالياً ثلاث مجموعات قتال رئيسية وأن تقديرى أن دمشق لا يمكن أن تسقط... بل ولن يسعى الإسرائيليون إلى الدخول إلى مدينة عربية بهذا الحجم والكثافة السكانية... بل أن سوريا – على حد قولى فى اليوميات – سوف تنجح فى صد الاختراق". وأضافت اليوميات أن السفير البريطانى قام بإيقاظ الرئيس سعت 0400 فجر يوم السبت 13 أكتوبر ونقل إليه رسالة من رئيس الوزراء البريطانى أن "كسنجر" وزير الخارجية الأمريكية طلب من رئيس الوزراء "اليك هيوم" تقديم اقتراح للمصريين مفاده ان إسرائيل لن ترفض وقف إطلاق النار على الخطوط الحالية للقوات المتحاربة وذلك إذا ما وافقت مصر... وقد رفض "الرئيس السادات" هذا المسعى فى غياب أفق سياسى متكامل للتعامل مع الصدام وتوابعه السياسية... وكان السفير السوفيتى قد أجرى هو الآخر اتصالاً مباشراً مع الرئيس قبل ذلك ببضعة ساعات وفى الدقائق الأولى من السبت 13 أكتوبر مطالباً بالنظر فى وقف القتال. وكتبت فى يوميات نفس اليوم "أن السوفيت يخشون على علاقاتهم مع أمريكا... كذلك فان لديهم خشية ولا شك على أوضاع النظام فى سوريا... وقد طلب الرئيس وفقاً لمحضر الاتصالات التى سجلها السيد "عبد الفتاح عبد الله" وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء أن يكون وقف إطلاق النار مصحوباً بالاتفاق على مفهوم الانسحاب الإسرائيلى من سيناء وتفاهم على جدول زمنى لهذا الانسحاب مع عقد مؤتمر سلام تشارك فيه القوتان العظمييان. وكتبت أيضاً فى هذا السياق أن الرئيس يملك وضوح رؤية عظيم فهو يرى:-

-        أن إسرائيل تهاجم سوريا لهدف سياسى وليس عسكرى... وللمساومة فى المستقبل.... كما أن العسكريين الإسرائيليين يبحثون عن نصر شكلى يخفى الصدمة الإستراتيجية التى تعرضوا لها وحلت بإسرائيل.

-        أن الجبهة الأساسية هى جبهة قناة السويس... وهى التى ستقرر نتيجة الصراع وأن المعركة الآن هى معركة مصر وليس سوريا وأن الفيصل سوف يكون هو نجاح مصر فى ضرب الجيش الإسرائيلى فى سيناء.

          لقد كانت مجموعة النقاط التى تحدث بها الرئيس "السادات" مع سفيرى الاتحاد السوفيتى وبريطانيا هى نفس النقاط التى تناولها "محمد حافظ إسماعيل" فى رسالته المكتوبة الأولى إلى "كسنجر" وزير الخارجية الأمريكية مساء يوم 7 أكتوبر وأن "هدف مصر الثابت هو فى التوصل إلى سلام شامل فى الشرق الأوسط وليس تسوية جزئية... من هنا فان على إسرائيل أن تنسحب من جميع الاراضى المحتلة، وعندئذ ستكون مصر على استعداد للمشاركة فى مؤتمر دولى للسلام تحت إشراف مناسب". وبدأت الرسائل بين "حافظ إسماعيل" و "كسنجر" تتزايد... وجاء فى رسالة "لحافظ إسماعيل" يوم 9 أكتوبر أن على إسرائيل أن تنسحب إلى خطوط 5 يونيه ويعقد بعد ذلك مؤتمر سلام لوضع والاتفاق على سلام نهائى وأن مصر لا تمانع فى وجود دولى محدد فى شرم الشيخ للإشراف على حرية الملاحة فى مضيق تيران وصنافير... وأخذ كل يعرض مواقفه... ووضح أن الأمريكى فى إجاباته يناور ويراوغ لكى يستهلك الوقت انتظاراً لنجاح إسرائيلى عسكرى على الأرض... من هنا أخذت رسائل كسنجر تطرح تساؤلات عن المقصود بإشارة مصر إلى الانسحاب من كل الاراضى وهل يسبق الانسحاب المؤتمر أم يتلوه وهكذا... وعاودت رسالة جديدة من "حافظ إسماعيل"  على تأكيد – مرة أخرى – الرؤية التى نقلها إلى "كسنجر" فى بداية الصدام...

لقد كان هناك اعتبارات كثيرة للموقف المصرى الذى سار  فيه "الرئيس السادات" ونفذه "حافظ إسماعيل" بالتزام واضح... إلا أن المؤكد أن عدم الثقة المصرية فى كل من إسرائيل وأمريكا فرض ثقله على صاحب القرار بعدم التوقف عن الصدام خاصة مع خشيته أن يكون الجانبان الأمريكى والإسرائيلى يسعيان فقط إلى وقف مؤقت أو تكتيكى للنيران... تعاود بعده إسرائيل... عمليات عسكرية جديدة ضدنا... إلا أن المؤكد أيضاً أن القيادة السياسية المصرية ناقشت الأمر، خاصة مع تزايد الضغط السوفيتى لوقف إطلاق النار... إذ جاء فى كتاب "حافظ إسماعيل" المشار إليه - "أمن مصر القومى" - "أن الدكتور "محمود فوزى" كان يخشى ردود فعل سلبية فى صفوف قواتنا لو أنها دعيت الآن للتوقف، بينما تكبد القوات الإسرائيلية خسائر فادحة ويستمر تقدمها إلى الشرق من القناة.... لكن "فوزى" عاد واقترح أن تعلن إسرائيل احترامها للسيادة الكاملة للدول العربية المجاورة على أراضيها وأن تطلب رسمياً وقف إطلاق النار"... والحقيقة أن ما كتبه "حافظ إسماعيل" فى هذا الكتاب لم يكن على الإطلاق بعيداً عن تفكيرى وأنا أتابع كل هذه التطورات من واقع ما أقرأه من مكاتبات ومحاضر "عبد الفتاح عبد الله" وغيرها من أوراق وتسجيلات تليفونية.

وتحركت مصر لتطوير الهجوم وبعد هذه الوقفة التعبوية فى الفترة من 6 إلى 13 أكتوبر والتى كان من المتصور أنها سوف تمتد حتى نهاية الصدام المسلح... إلا أن الوضع السورى فرض الخروج منها نحو الشرق...

وعلمت أن تطوير الهجوم، تخفيفاً عن سوريا، مثلما صمم "الرئيس السادات"، سيبدأ فى ساعة متأخرة من يوم 13 أكتوبر... ثم تأجل حتى فجر يوم الأحد 14 أكتوبر... وكتبت فى يومياتى سعت 1700 من يوم السبت أن إحدى طائرات الاستطلاع الأمريكية من طراز 71 SR مرت فوق الدلتا والقاهرة وإلى قناة السويس وسيناء وخرجت من العريش عائدة إلى مقصدها الذى انطلقت منه فى قاعدة أمريكية بأوروبا... وكانت على ارتفاع عال للغاية وبما لم يمكن المقاتلات المصرية أو نطاقات الصواريخ المضادة التصدى لها... وكان لهذا الاستطلاع آثاره الهائلة على تطورات المعركة... إذ كشفت الصور الجوية التى قدمها الأمريكيون إلى إسرائيل أن الوحدات الرئيسية المصرية الموجودة فى الاحتياط غرب القناة قد عبرت القناة إلى الشرق أى بما يعنى النية فى التطوير... وكشفت هذه الصور أيضاً أن غرب القناة قد أصبح خالياً إلى حد كبير من القوات الرئيسية الثقيلة... وتهيأ العدو بالتالى لتلقى ضربتنا... ودخلت المعركة إلى ميزان غير مسبوق من الحساسية والخطورة.

وقامت قواتنا بهجوم التطوير صباح الأحد 14 أكتوبر... وتوقف الهجوم فى المساء بعد تعرض قواتنا إلى خسائر كبيرة وصلت إلى حوالى 220 إلى 250 دبابة ومركبة مدرعة وهى خسائر لا شك جسيمة للغاية وسجلت فى  يومياتى سعت 0700 من صباح الاثنين 15 أكتوبر "من الواضح أن هجومنا قد توقف وهذا سيكون له أثاره الخطيرة على المعركة... كما أن من الهام عدم التخلى عن عنصر المبادأة للعدو وإلا ضربنا دون رحمة... من هنا يجب الاستمرار فى العمليات النشطة والضغط عليه.

وقد لاحظت بعد ذلك بسنوات، أن السيد "حافظ إسماعيل" توصل إلى نفس النتائج والتى طرحها فى كتابه أمن مصر القومى عندما ذكر "كان الهجوم الذى شنته قواتنا خلال نهار يوم 14 أكتوبر قد حقق الهدف منه، حتى من قبل أن يبدأ انطلاق القوات من قواعدها داخل رءوس الكبارى... فمنذ 13 أكتوبر توقفت العمليات الهجومية الإسرائيلية فى جبهة الجولان وأمكن درء الخطر الذى يهدد دمشق، إلا أنه مع انتهاء معركة التطوير فى مساء 14 أكتوبر، كانت القيادة العسكرية المصرية قد استنفذت طاقة قواتنا وبذلك سلمت بميزة المبادرة التى حققتها منذ 6 أكتوبر... إلا أن الحقيقة أيضاً أن ميزة هذه المبادرة كانت تتآكل منذ بداية الوقفة التعبوية الممتدة لتنتقل فى النهاية إلى القيادة الإسرائيلية".

وأقول من جانبى وبكل اقتناع أن "أحمد إسماعيل على"، وقيادة الجيش التى واجهت هذا الموقف بالغ الصعوبة والحساسية فى مساء 14 أكتوبر قد اتخذت القرار الأسلم... وهو وقف المضى فى الهجوم وتفادى تعريض القوات لمزيد من الخسائر الفادحة خاصة لما لذلك من تأثير على مستقبل المعركة وعلى ضوء ما قد تقوم به إسرائيل من عمليات مضادة كشفت عنها عمليات الرصد والاستطلاع قبل 72 ساعة أى يوم 11/12 أكتوبر.

وأعود مرة أخرى إلى ما تضمنه كتاب "حافظ إسماعيل" فى تحليله لنتائج هذا اليوم "أن الأمر كان يقتضى المسارعة من جانبنا بإعادة تسليح وتنظيم الوحدات التى خاضت المعركة وإعادة تجميعها وانتشارها خلال 24/48 الساعة التالية استعداداً للمرحلة القادمة والحتمية من عمليات العدو، أخذاً فى الاعتبار أن فشل الهجوم المصرى يوم 14 أكتوبر كان هو المنطلق الصحيح لشن الهجوم الإسرائيلى المضاد".

والحقيقة أن هذه النقاط التى تناولها "حافظ إسماعيل" فى تحليله لتوابع معركة التطوير لم تكن غائبة عن ذهن صاحب القرار المصرى الذى سعى للحصول على أكبر دعم عسكرى لمواجهة متطلبات هذه المرحلة الخطرة القادمة. وترصد يومياتى سعت 0700 لنفس اليوم الاثنين 15 أكتوبر ان مصر حصلت على مائتى دبابة من يوغسلافيا، كانت سترسل خلال الأيام التالية بالبحر إلى ميناء الإسكندرية كذلك كان هناك حديث يدور حول دبابات من كل من المغرب/ الجزائر/ ليبيا.

لقد بدأت هذا المقال بالإشارة إلى الأدميرال "جون جيلكو" الذى كان يمكن أن يخسر الحرب لبريطانيا فى نصف نهار.... وأنهى مقال اليوم بأن "أحمد إسماعيل على"، القائد العام للقوات المسلحة... كان يمكن أن يخسر الحرب هو الآخر خلال نهار 14 أكتوبر... إذا ما كان قد صمم على الاستمرار فى عمليات الهجوم وصولاً إلى مداخل المضايق مثلما كان الهدف عندئذ.

[غداً نتابع المقال الآخر حول ثغرة الدفرسوار وأزمة وقف إطلاق النار والدور الأمريكى والسوفيتى فى هذا الصدد واستمرار الاتصالات الأمريكية المصرية].

 

الجزء الخامس: أزمة الاختراق الإسرائيلى لغرب القناة والقبول بمطلب وقف إطلاق النار

 

اقترنت الأيام القليلة التالية لنجاح إسرائيل فى إجهاض جهد القوات المصرية لتطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر بعدد من التطورات الهامة التى كان لها تأثيرها الكبير على شكل مسار العمل العسكرى من ناحية، والجهد الدبلوماسى من ناحية أخرى. فقد تحرك "الرئيس السادات" يوم 16 أكتوبر لكى يطرح أمام مجلس الشعب المصرى الرؤية المصرية المتكاملة فيما تتصوره مصر من شكل للتسوية المقترحة ويصيغ بشكل متكامل كل ما تحدث به مع سفراء الدول الرئيسية على مدى الأيام السابقة وما تضمنته رسائل "محمد حافظ إسماعيل" إلى "كسنجر" طوال الأسبوع الأول للحرب.

وجاء حديث "الرئيس السادات" أمام المجلس لكى يؤكد أن هدف مصر هو استعادة أراضيها فى سيناء وتحريرها من الاحتلال الإسرائيلى، كما أن مصر على استعداد لقبول وقف إطلاق النار على أساس انسحاب إسرائيل من كل الأراضى المحتلة فوراً وتحت إشراف دولى، وأن مصر على استعداد، فور إتمام الانسحاب من كل الاراضى المحتلة، أن تحضر مؤتمر سلام دولى بالأمم المتحدة من أجل وضع قواعد وضوابط سلام فى المنطقة يقوم على الحقوق المشروعة لكل شعوبها، ثم ذكر "الرئيس" أخيراً استعداد مصر للبدء الفورى بتطهير قناة السويس وفتحها للملاحة. ولاشك أن هذا الطرح تضمن إشارات جديدة بشأن الحقوق المشروعة لكل شعوب المنطقة وكذلك ضوابط وقواعد السلام فى المنطقة....وهى كلها إشارات مضت فيها مصر منذ ذلك الحين وحتى الوصول إلى محادثات كامب دافيد وتوقيع معاهدة السلام المصرية/ الإسرائيلية، مروراً بمؤتمر جنيف للسلام فى ديسمبر 73.

وكان "حافظ إسماعيل" فى سياق اتصالاته مع "كسنجر" قد نقل إلى الأخير رؤية مصرية قريبة لما تحدث به "الرئيس" وإن كانت قد تقدمت بعض الشئ عما جاء على لسان "الرئيس" أمام الشعب. وقد طلب "إسماعيل" يوم 10 أكتوبر أن تنسحب إسرائيل فى فترة زمنية محددة إلى خطوط 5 يونيو وذلك تحت إشراف الأمم المتحدة وأنه عند إتمام الانسحاب تنهى حالة الحرب، كما أنه وبعد الانسحاب أيضاً يوضع قطاع غزة تحت إشراف الأمم المتحدة وإلى حين مباشرة الفلسطينيين حق تقرير المصير. وجاء رد "كسنجر" سريعاً على خطاب الرئيس أمام مجلس الشعب وكذلك رسالة "حافظ إسماعيل" المرسلة يوم 9 أكتوبر المشار إليها بعاليه وحيث وضح أن أمريكا "تبغى إنهاء القتال والصدام الحالى تحت ظروف تسهل التقدم نحو تسوية نهائية". وكانت هذه الفقرة فى رسالة "كسنجر" كاشفة لما سعى إليه الأمريكى خلال الأسبوع التالى من القتال والتى استهدفت مساعدة إسرائيل بكل الدعم العسكرى لكى تعيد التوازن العسكرى والاستراتيجى مع مصر وبما يُمكن "كسنجر" أن يلعب دوره فى التقريب بين الأطراف والتحرك بها نحو تسوية للنزاع. وعاد "كسنجر" لكى يؤكد "لحافظ إسماعيل" أن الرؤية المصرية التى جاءت فى خطاب "الرئيس السادات" ورسائل "مستشار الأمن القومى المصرى"، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال حرب ممتدة وأن مصر عليها أن تنظر فى تقييد أهدافها إذ أن الإصرار على الحد الأقصى للرؤية المصرية سيعنى استمرار الصدام المسلح واحتمال تعرض كل النجاح المصرى المحقق حتى الآن للتآكل. وركز "كسنجر" أخيراً على مطلبه فى أهمية وقف إطلاق النار على الخطوط الحالية مع تأمين موافقة الأطراف المتنازعة ببدء مفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة لإقامة سلام كامل وعادل على أساس القرار 242 مع أهمية التوازن بين السيادة والأمن.

وكان "كسنجر" فى هذا السياق قد كتب إلى "حافظ إسماعيل" يوم 14 أكتوبر بأن أمريكا سوف تسعى إلى إمداد إسرائيل بمعدات ومواد "تستهلك".

وكتبت فى يومياتى سعت 0700 من يوم 15 أكتوبر أن هذه الرسالة الأخيرة توضح أن القرار الأمريكى فى البدء بالإمداد يشير – كحجة - إلى بدء السوفيت فعلاً بإمداد مصر وسوريا باحتياجاتهما للاستمرار فى المعركة، وأوضح "كسنجر" أيضاً فى رسالته أن الولايات المتحدة ستوقف هذا الإمداد فور توقف القتال، وأضاف أنه يريد استمرار هذا التشاور المفيد وأنه طلب من إسرائيل عدم التعرض للمدنيين وأنه كان أيضاً قد حصل من إسرائيل على موافقة بوقف إطلاق النار على المواقع الحالية إلا أن مصر هى التى رفضت الأمر.

وبطبيعة الحال فإن أى قارئ اليوم لهذه الرسائل مع ربطها بتطورات القتال على الأرض بدءاً من يوم 15 أكتوبر مساءاً يصل إلى هذه النتيجة الواضحة أن أمريكا كانت قد قررت فى ضوء رفض مصر لوقف إطلاق النار أن تسعى إلى إحداث تغيير جوهرى على الأرض يعيد التوازن إلى الموقف، من وجهة النظر الأمريكية، ويُمكن إسرائيل من تحقيق مكاسب فى مقابل المكاسب المصرية فى تحطيم خط بارليف واستعادة السيطرة العسكرية المصرية على هذا الشريط الممتد على طوال مواجهة القناة وإلى الشرق منها وبعمق 10/15 كيلو متر.

وأقول أن هذا التبادل المصرى/ الأمريكى للرسائل والمواقف وطرح "الرئيس" لرؤيته بشكل متكامل أمام المجتمع الدولى، أقترن أيضاً بزيارة هامة قام بها "كاسيجين" رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى، للقاهرة مساء يوم 16 أكتوبر. وكان الواضح أن "الرئيس السادات" وفى اختياره لموعد إلقاء بيانه أمام مجلس الشعب فى صباح يوم وصول "كاسيجين"، أستهدف طرح الموقف المصرى المتكامل وبما لا يتيح "لكاسيجين" أن يؤثر على قرارنا فى المضى فى السعى لتحقيق أهداف الصدام وعدم القبول بالمطلب السوفيتى لوقف إطلاق النار على الخطوط الحالية دون وضوح الأفق السياسى للتسوية المطلوبة. وكتبت فى يومياتى لهذا اليوم سعت 0100 من الثلاثاء 16 أكتوبر "يحضر "كاسيجين" إلى مصر اليوم/ سيحاول الضغط علينا من أجل وقف إطلاق النار/ سيلقى الرئيس خطابه ليسبق "كاسيجين" وليعلن مبادرته فى النقاط الخمس وسوف يورط ذلك السوفيت فى مواجهة الأمريكيين الذين أخذوا هذا القرار المتعلق بالدعم العسكرى لإسرائيل/ وسوف يتأزم الموقف سياسياً". وجاء فى اليوميات فى هذا السياق أيضاً إشارة إلى محاولة "الرئيس" فى استخدام اتصالاته الوثيقة "بشاه إيران" لكى يتحرك فى اتجاه أمريكا ولتخفيض غلواء الموقف الأمريكى. وهنا يجب أن أذكر أن "الرئيس السادات" قد أبقى على أكبر قدر من التواصل والاتصال مع "الشاه" منذ بداية العمل العسكرى عن طريق "سفير إيران" النشط بالقاهرة عندئذ.... وأخذ "الشاه" من جانبه يتجاوب مع "السادات" ويرد عليه ويسعى لمحاولة التأثير على الموقف الأمريكى لصالح مصر... وهى مسألة لا أعتقد أنها كانت بعيدة عن تفكير "الرئيس" وردود فعله على ما واجهه "الشاه" بعد ذلك وقبول "السادات" بلجوئه إلى مصر.

ومن الهام هنا أن أتطرق إلى ما سبق وأن تحدث به "حافظ إسماعيل" معى فى الأيام الأولى للصدام وحيث قال ما معناه أنه لا يمانع الآن فى لقاء "إيجال ألون" خاصة وقد تحررت مصر من مأساة وإذلال معركة 67 [مقالى الأخير بالأهرام يوم 10 يناير 2010] وأعود للقول بأن يوميات سعت 0100 من يوم 16 تتناول أيضاً هذه المسألة مرة أخرى وحيث عاودت مناقشة الأمر مع "مستشار الأمن القومى" مشيراً إلى أهمية متابعة التحرك فى اتجاه ما سبق وأن تحدث به يوم 9 أكتوبر وأننا يجب أن نتسلح بالمرونة فى تفكيرنا ولا نمانع فى اللقاء مع الإسرائيليين بشكل مباشر خاصة وقد أبرحناهم ضرباً.... وأجاب "حافظ إسماعيل" أن ما يقلقه هو سوريا والخسارة التى حلت بها فى الأراضى وكيف يمكن ترضيتها... كذلك فإن الدول العربية التى سارعت بالمشاركة فى القتال بوحدات صغيرة سوف تمثل هى الأخرى مشكلة يجب التعامل والتفاعل معها.

وأعود الآن إلى زيارة "كاسيجين" وجلساته الممتدة مع "الرئيس السادات" بمفردهما وبهدف الاتفاق ليس فقط على شكل التنسيق السياسى المصرى السوفيتى المشترك على مستوى الاتصالات مع الأمريكيين وعلى مستوى مجلس الأمن، ولكن أيضاً للتفاهم على ما سوف يقوم السوفيت بإمدادنا به من معدات وأسلحة. وأتذكر قراءاتى لأحد محاضر مقابلات "الرئيس" مع "السفير السوفيتى" بالقاهرة فى اليوم السابق لزيارة "كاسيجين" قوله للسفير "أرجو أن تخطر صديقى اليكسى [كاسيجين] أن يعد نفسه ويفتح جيوبه وسوف أضع يدى فيها واغترف مما بها من معدات وأسلحة وكل احتياجات قواتنا.

وجاء التفاهم المصرى/ السوفيتى فى نهاية هذا اللقاء بين "السادات" و"كاسيجين" والذى غادر القاهرة يوم 19 أكتوبر مع بدء تهديد حاد للوضع العسكرى المصرى، وبحيث يقوم السوفيت بالسعى مع الأمريكيين للاتفاق على تحرك سوفيتى/ أمريكى مشترك لوقف إطلاق النار مع بدء انسحاب إسرائيل فور تحقيق وقف إطلاق النار تنفيذاً للقرار 242 مع الحصول على ضمانات أمريكية/ سوفيتية مشتركة لتنفيذ كل عناصر هذا التفاهم.

وفور وصول "كاسيجين" إلى موسكو قام بطلب قيام الأمريكيون بإيفاد "كسنجر" إلى العاصمة السوفيتية بشكل فورى للتشاور حول ما يمكن لهما القيام به سوياً للسيطرة على الاقتتال ووقفه والتحرك فى اتجاه تسوية مرضية ومؤتمر دولى.

وأجد من الضرورى فى هذا السياق الذى سيطر عليه العمل الدبلوماسى أن أعود إلى تناول الوضع العسكرى الذى بدأ يتطور بشكل أشر إلى وجود أخطار فى تقليص نجاحنا المحقق حتى هذه اللحظة من الصدام.

وأقرأ فى يومياتى من نفس يوم الثلاثاء 16 أكتوبر سعت 1720 "العدو يقوم باختراق بين ج 2 ، ج 3 ويدفع بقوات برمائية عبر البحيرات المرة فى مواجهة منطقة الدفرسوار ويهاجم الضفة الغربية للقناة بهدف تدمير المعابر الخاصة بقواتنا وبطاريات الصواريخ المضادة للطائرات والتى تعوق حرية الحركة لمقاتلاته القاذفة فى التصدى لقواتنا/ قواتنا المدرعة وأساساً الفرقة 21 المدرعة تهاجمه بعنف حتى سعت 1400 من اليوم/ سنفقد المبادأة بسبب جمودنا الحالى/ يجب أن نتحرك بسرعة وإلا سنخسر كثيراً/ ماذا يهدف العدو بعملياته هذه/ هل تطوير هجوم فى الغرب... ربما/ أشعر بالضيق الشديد بسبب نشاط زائد للعدو وهو ما تسببنا فيه بعدم حركتنا"... وأعود إلى اليوميات سعت 1500 من يوم الأربعاء 17 أكتوبر وقد تضمنت قولى "سكوت مريب/ القتال عنيف جداً فى محور الفرقة المشاة 16 من الجيش الثانى/ لا بيانات ولا أخبار أو إبلاغات/ هل يرغب العدو بعملياته تحقيق ثغرة على الضفتين الشرقية والغربية للقناة/ يجب وبسرعة قتل قواته فى الغرب وحتى لا يكرر المحاولة... يجب قتل قواته وليس الأسر... القتل/ من الواضح أن العدو قد بدأ معركة مصر رغم أنه لم ينه معركة سوريا ولن يتمكن من إنهائها ومن ثم لا يتصور أنه يستطيع أن ينهى بنجاح معركة مصر"...

وقد أطلعت بعد كتابة هذا التقييم بسنوات طويلة على مستند بريطانى رسمى تناول هذه الفترة من الصدام وحيث جاء بالتقرير البريطانى المعروض على رئيس الوزراء البريطانى سعت 1130 يوم الثلاثاء 16 عام 73. "أن الأغلب أن تحاول القوات الإسرائيلية فى سوريا الوقوف على مواقع تهدد دمشق ولكن فى نفس الوقت تمكن الإسرائيليين من الدفاع عنها بقوات أقل وبما يتيح للإسرائيليين نقل قواتهم إلى جبهة سيناء"...

وبطبيعة الحال لم أكن على إطلاع بأن إسرائيل ستقوم فى الأيام التالية بنقل الجزء الأعظم من قواتها للتعرض للقوات المصرية فى جبهة القناة.

واستمر القتال فى الأيام الحرجة التالية وتضمنت اليوميات سعت 0800 من صباح الخميس 18 أكتوبر "معركة الأمس كانت حرجة للغاية/ العدو يهدف إلى إقامة رأس جسر له على الجانب الغربى للبحيرات وضرب الجيش/ قواتنا المدرعة تضربه فى أجنابه" ونصل فى اليوميات إلى سعت 0100 من يوم الجمعة 19 أكتوبر لكى أكتب "لقد فقدنا المبادأة وسندفع الثمن/ من الواضح أن للعدو فعلاً قوات كبيرة قادرة على التعامل معنا فى الغرب من القناة/ "المستشار" مع ذلك واثق من نجاحنا فى الصدام العسكرى/ يجب أن نضرب رأس الجسر الإسرائيلى ثم نضرب الاختراق فى الشرق/ يجب أن ننتزع المبادأة بالعمل الفعال النشط وإلا تدهور الموقف وقد نضطر بالتالى إما إلى سحب الجيش من سيناء لمواجهة الاختراق فى الغرب أو خسرانه".

وتصل اليوميات بعد ذلك إلى سعت 1700 من نفس يوم الجمعة 19 أكتوبر وأكتب "تحاول إسرائيل إما الحصول على مجرد رأس جسر وانتظار وقف إطلاق النار... أى أن إسرائيل لم تهزم... أو أن تعمل على تطويق الجيش الثانى... وهذه عملية صعبة للغاية وتحتاج للكثير من الجهد ولا أعتقد أن لإسرائيل قدر مناسب من القوات لتحقيق هذا الهدف/ يقول "المستشار" فى أحاديثه معنا أن أمريكا وإسرائيل يعملان على خروج الجميع متساويين ومن ثم يسهل التوصل إلى تسوية تالية/ "حافظ إسماعيل" لا يزال متفائلاً ويفكر فى الكيفية التى سنحقق بها وقف إطلاق النار حسب الاتفاق مع "كاسيجين" والعمل على الفصل بين القوات وأسلوب تنفيذ ذلك وكيف سنتناول رأس الجسر الإسرائيلى فى الغرب مع وقف إطلاق النار.

وتصل اليوميات إلى اللحظات الحرجة يوم السبت 20 أكتوبر وأكتب "قواتنا تسعى لإغلاق ثغرة الاختراق من الشرق والغرب معاً وتتعرض لخسائر رهيبة ولكنها تقاتل بشراسة متناهية".

ونقترب بعد ذلك وخلال اليومين التاليين وبسرعة إلى قبول وقف إطلاق النار وأكتب سعت 0815 من الأحد 21 أكتوبر "حضر "أشرف مروان" للقاء "حافظ إسماعيل" سعت 0200 من فجر هذا اليوم وأصطحبه إلى "الرئيس" ثم عاد بعد فترة وجيزة وطلب "مستشار الأمن القومى" قيام وكيل المخابرات العامة "رفعت حسنين" باستدعاء ممثل المخابرات المركزية بالقاهرة لإبلاغه بإرسال رسالة إلى "كسنجر" فى موسكو بموافقة مصر على وقف إطلاق النار على الخطوط الحالية وعقد مؤتمر سلام فورى بضمان أمريكى/ سوفيتى بتحقق هذا الوقف للاقتتال وانسحاب إسرائيل/ من الواضح أن الموقف العسكرى الصعب قد فرض هذا القرار/ أبلغنا المستشار "حافظ إسماعيل" أن القائد العام وبعد أن قام "الرئيس السادات" بزيارة مقر العمليات والتأكد من خطط المواجهة مع الاختراق الإسرائيلى، اختلى "بالرئيس" وحيث أبلغه أنه يحتاج للمزيد من الاحتياطات والتى يتطلب إعدادها وتجهيزها وقتاً ولكى نعاود الصدام المسلح مع الإسرائيليين فى الشرق والغرب من القناة. من هنا فان "أحمد إسماعيل على" لا يمانع من التوصل الآن إلى وقف لإطلاق النار لتحقيق بناء المزيد من القدرات والاحتياطات". وأضفت فى اليوميات أن وقف إطلاق النار قد يتم بعد حوالى ثلاثة أيام والمتصور أن إسرائيل ستقبل هى الأخرى بذلك، ولاشك أن الأمريكيين سيهتمون وبسرعة بوقف القتال على الخطوط الحالية وبحيث تكون مصر فى سيناء وإسرائيل فى الغرب من القناة ومن ثم تحقيق التوازن الذى يسعى "كسنجر" لتحقيقه وبحيث يتم تسهيل العمل الدبلوماسى والتوصل إلى التسوية.

وخلاصة القول مثلما رأيتها منذ 37 عاماً، وتعزز اقتناعى بها عندما عاودت الاطلاع على ما كتبته عندئذ وما كتب من قبل آخرين، فى مقدمتهم "حافظ إسماعيل" مستشار الأمن القومى... أن إجهاض تطوير الهجوم نحو مداخل الممرات بسيناء يوم 14 أكتوبر وخسائرنا الفادحة فى ذلك اليوم... أتاح لإسرائيل فرصة الهجوم المضاد وتحقيق ثغرة فى دفاعات قواتنا فى الشرق ثم الوثوب إلى الفضاء المصرى الخالى من القوات فى الغرب وتحقيق هذا النجاح الذى أثر على علاقات القوى بين الطرفين والتوازن العسكرى بينهما.

ولا شك أن التدخل الأمريكى الكاسح للإمداد لإسرائيل كان له تأثيره الأكبر... ليس فقط لتحقيق هذا الاختراق... ولكن أساساً فى تمكين الجيش الإسرائيلى فى التصدى للتطوير المصرى... وأعتقد أنه ليس ببعيد أيضاً أن خفوت القتال على الجبهة السورية فى الفترة من 13 حتى صدور قرار وقف إطلاق النار فى 22 أكتوبر كان له أثره فى إتاحة الفرصة للإسرائيليين بتحريك قواتهم إلى الجنوب نحو سيناء وهو ما كشفت عنه تطورات المعركة من ناحية، وأكدته التقارير الدولية من ناحية أخرى وهو الأمر الذى سوف تتناوله المقالات القادمة إن شاء الله.

ويبقى أن نقص الاحتياطات الفاعلة المصرية كان له أثره فى إتاحة الفرصة للإسرائيليين بالتحرك الناجح فى الغرب وتوسيع آثار التهديد للقوات المصرية... ومع ذلك يبقى أن نؤكد أن قوة الأداء العسكرى المصرى وصلابته وتصميمه فى استمرار الضغط على الإسرائيليين فى غرب القناة وشرقها والكمائن ذات التأثير القاسى على الإسرائيليين والخسائر الكبيرة التى حلت بهم فى هذه المنطقة كان لها أيضاً ثقلها فى وصول القيادة الإسرائيلية إلى الخلاصة بأن أقصى ما سوف يمكنهم تحقيقه هو إقامة قدر من التوازن مع مصر وبما يفتح الطريق لمفاوضات نشطة للتسوية...

لقد ناور "كسنجر" والجانب الأمريكى لكى يصل الوضع بين الجيشين إلى هذه النتيجة وبحيث يتحرر الجانبان من عواقب إحساس احدهما بهزيمته من الآخر وبما فتح فعلاً الطريق إلى هذا النشاط الدبلوماسى والسياسى فى الفترة التالية لتوقف القتال... والمؤكد أيضاً هنا أنه ينبغى الإشارة إلى أن النجاح الإستراتيجى المصرى كان هو الأساس فى تحريك الأوضاع وإعادة التوازن الاستراتيجى فى الشرق الأوسط بين مصر وسوريا من ناحية، وإسرائيل على الجانب الآخر، وبما أدى إلى انزواء تأثير هزيمة 67 إلى حد كبير فى علاقات الطرفين بعضهما البعض.

ويبقى أن املى كبير فى أن أتابع الكتابة فى هذا الموضوع واستعرض هذه الفترة بالغة الصعوبة التى أتسمت بها الأوضاع العسكرية والدبلوماسية فيما بين 21 أكتوبر وحتى 28 أكتوبر، يوم توقف القتال فعلاً... كما آمل مواصلة تحليل الكثير من العناصر التى فرضت ثقلها علينا وعلى القيادتين السياسية والعسكرية للحرب وخلاصتها الإستراتيجية النهائية الناجحة.

الجزء السادس: شاهد على الحرب

 

قرأت منذ سنوات فى كتاب شهير لرجل الدولة البريطانى "تشرشل" مقولة رائعة نصها أن الأدميرال "كون جيلكو" هو الشخص الوحيد على الجانبين الألمانى والبريطانى الذى كان يمكن بتصرفاته وأدائه أن يؤدى إلى خسران بريطانيا للحرب خلال نصف نهار.

كان "تشرشل" وزيراً للبحرية البريطانية إبان الحرب العالمية الأولى وحتى خروجه فى عام 1916 بعد فشل غزو شبه جزيرة جاليبولى ومحاولة اختراق الباردنيل، وكان يقصد بهذه المقولة، الأدميرال "جيلكو" قائد الأسطول الكبير البريطانى فى معركته مع أسطول أعالى البحار الألمانى فى معركة جاتلاند وحيث اصطدم الأسطولان للمرة الأولى والأخيرة بكامل امكانياتهما فى عام 1916 ولم يتمكن الأسطول البريطانى من تدمير خصمه الأضعف من حيث القدرة أو التجربة تحت قيادة الأدميرال الألمانى الشهير "برنس شير" بل على العكس انتهت المعركة خلال يوم واحد، شهد أحد أكبر معارك التاريخ البحرى وبعد خسائر بريطانية أكبر عدداً من السفن الرئيسية مقارنة بما حل بالألمان.

وتحدث الكثيرون وكتبوا بعد المعركة وكذلك بعد انتهاء الحرب فى عام 1918 يتساءلون عن أسباب حرص أو حذر الأدميرال "جيلكو" وأسباب عدم استثماره لتفوقه الكبير فى حسم المعركة عن طريق نهج أكثر جرأة وعدوانية.... وجاءت مقولة "تشرشل" لكى تعطى "جيلكو" حقه بالكامل ... إذ أن هزيمة الأسطول البريطانى فى هذا النهار كانت ستؤدى بلا شك إلى هزيمة كاملة لبريطانيا فى صدام الحديد والنار الذى جرى مع ألمانيا على أرض القارة الأوروبية، وينبغى هنا أن أشرح أسبابى فى بداية مقال اليوم بهذا التقديم وهذا الاستعراض لمعركة "جاتلاند" الشهيرة ... إذ استشعرت دائماً أن مصر ألقت على عاتق "أحمد إسماعيل على"، القائد العام للقوات المصرية المسلحة مسئوليات جساماً وأن الرجل تحمل هذه المسئوليات باقتدار حاسباً وبكل دقة قدرات وإمكانيات القوات المسلحة والمهام التى يمكن أن تنجزها والأهداف المطلوب تحقيقها والوصول إليها وأخيراً الكيفية التى يمكن بها ومن خلالها حفز القوات والأفرع الرئيسية لها على تحقيق الهدف العسكرى من ثم الأهداف الإستراتيجية السياسية للحرب، وأجدنى أمضى فى القول اليوم أن "أحمد إسماعيل على" وبعميق خبرته وحكمته كان يعى بدقة أن هدف العمل العكسرى المصرى عبر القناة ليس هو فقط تحطيم خط بارليف وكل نقاطه وحصونه، ويجب هنا أن نؤكد أنه خط محصن بعمق يستند إلى مانع مائى

عريض ويماثل فى تحديه ما يمكن أن يكون قد واجهته أى من جيوش الحرب العالمية الثانية بكل قدراتها، ولكن أيضاً فى احتلال هذا الشريط الممتد على طول الجانب الشرقى للقناة وضرب الهجمات الإسرائيلية المضادة وتأمين انتهاء الصدام المسلح ولدى مصر قوات قادرة وفاعلة وذات تأثير داخل أرض سيناء حتى ولو كان ذلك على شريط لا يتجاوز 10/15 كم وبذلك تكون مصر قد حطمت نظرية الأمن الإسرائيلى وفرضت على الإسرائيليين والولايات المتحدة ضرورة التحرك لتسوية سياسية.

من هنا أمسك أحمد إسماعيل على بتلابيب قواته ومنع أى من وحداته الرئيسية التابعة للجيشين الثانى أو الثالث من الانجراف المتسرع للخروج من رؤوس كبارى الفرق الخمس المشاة بل وصمم على مقاومة كل تفكير بضرورة وأهمية التحرك الفورى لاستغلال النجاح الابتدائى والافتتاحى للمعركة بعد تحطيم خط بارليف ونجاح فرق المشاة فى ضرب كل الهجمات المدرعة المضادة وهزيمتها والتواجد بالتالى على الخطوط التى حددت منذ البداية لتحقيق الهدف الابتدائى والنهائى للعملة العسكرية وبتوابعها السياسية والإستراتيجية.

لقد جاء النجاح المصرى الابتدائى بثمن يقل كثيراً عما توقعته القيادة العسكرية والسياسية فى إداراتها للحرب.. من هنا تعرض "أحمد إسماعيل على" لضغوط تحثه على أهمية استغلال النجاح والدفع بالقوات وإطلاقها فى اتجاه الممرات الرئيسية فى عمق سيناء (ممرى متلا/ والجدى) .. وذكر البعض أيضاً فى معرض تحليل المعركة والصدام العسكرى، واعتماداً على ما نشر بعد الحرب، أن رئيسة الوزراء الإسرائيلية "جولدا مائير" صدمت لانهيار "موشى ديان" وزير الدفاع وكذلك الجنرال "جونى" قائد الجبهة الجنوبية لاسرائيل عندما عادا إليها فى اجتماع عاصف عقد يوم 9 أكتوبر فى مقر قيادة الجنوب فى وسط سيناء طالباً فيه بالنظر فى سحب القوات الإسرائيلية المتواجدة فى مواجهة المصريين إلى عمق سيناء وخلف المضايق... إلا أن "مائير" منعت هذا الانسحاب وقررت اللجوء وبشكل فورى إلى الولايات المتحدة لمطالبتها بالتحركى الفورى للإمداد بكل الاحتياجات الإسرائيلية من السلاح والذخيرة... ودار جدل فى واشنطن وذلك حسبما كشفت السنوات التالية للحرب ودار نقاش بين الدفاع والخارجية وأخذ فى الحسبان رد الفعل العربى وبالذات فى مسائل الإمداد العربى بالبترول للعالم الغربى... وحسم الأمر لصالح الخارجية و"كيسنجر" الذى دفع بأهمية عدم السماح للسلاح السوفييتى، حتى ولو كان فى أيد مصرية، بهزيمة السلاح الأمريكى، ومن ثم اتخذ قرار أمريكى بالإمداد لإسرائيل، بكل احتياجاتها وأكثر واستخدام كل الطاقات الجوية الأمريكية لتحقيق هذا الهدف.

وأستذكر هنا، وللرد على هذه الآراء القائلة بأنه كان ينبغى تطوير الهجوم ابتداء من يوم 10 أكتوبر وقد صدت كل الهجمات المدرعة المضادة التى قامت بها إسرائيل، بالقول إن "أحمد إسماعيل على" كان يعلم أن السوفييت لا يرغبون فى قيام الجانب العربى بكسر وقف إطلاق النار.. وأن مصر وكذلك سوريا نجحتا فى وضع السوفييت تحت ضغوط هائلة، استراتيجياً وسياسياً، للمضى فى الإمداد بالسلاح وتمكين الجيش المصرى والقوات الجوية المصرية من بناء قدراتهما خاصة فى فترة العام الممتد ما بين أكتوبر 72 وحتى أكتوبر 73 ... بل أقول إن مصر نجحت وببراعة ليس فقط فى إعطاء الانطباع لإسرائيل والغرب أنها غير مهيأة عسكرياً ولكن أيضاً فى خداع السوفييت الذين تصوروا أنها غير قادرة وبكوادرها وقياداتها على استخدام هذا السلاح فى يد المقاتل المصرى .. وكانت تصلنا الكثير من تقارير سفارتنا ودبلوماسيينا فى مناقشاتهم مع قرنائهم من الغربيين والأوروبيين بأن الجميع يتوقع أن يتقادم السلاح السوفيتي لدينا خلال عامين وأنه يصعب تصور موافقة السوفييت أو انجرافهم للمزيد من تعويض العرب بالجديد والمتطور من المقاتلات والدبابات والأسلحة الثقيلة.. وفى اعتقادى الجازم، أن "أحمد إسماعيل على" القائد العام للقوات المسلحة كان يقدر أن فقدانه لهذا الجيش، مرة أخرى، أو تكرار هزيمة 67 سوف يمثل الضربة القاضية لمصر ونجاح إسرائيل على الجانب الآخر فى الإمساك بسيناء لعقود وربما أجيال قادمة، من هنا جاء حذره الواضح فى تقييد الجيش وعدم الخضوع لمغريات التطوير ومزاياه.. حيث عواقبه أيضاً كانت مائلة أمامه.

وفى هذا السياق يجب أن أنقل عن مستشار الأمن القومى المصرى محمد حافظ إسماعيل فى معركة تحليلية لهذه الرؤية قوله فى كتابه عن الأمن القومى المصرى ومعركة أكتوبر .. أنه وبإتمام القوات المسلحة تحقيق هدفها المباشر بتاريخ 10 أكتوبر، فينبغى أن أشير إلى أننى وكنت من خلال أحاديثى مع الفريق أول "أحمد إسماعيل على" قبل نشوب الحرب، أدرك أنه لا ينوى التقدم حتى الممرات الجبلي وأن ما جاء بتعليمات عمليات القيادة العامة بأن الهدف هو احتلال المضايق  إنما قصد به أن يستحث القيادات الصغرى خلال مرحلة بناء رؤوس الكبارى على استمرار التقدم حتى الهدف المباشر للجيش.

 

واستمر الحشد المصرى بالتالى يتابع تجهيزاته وتحصيناته فى شرق القناة حتى دهمتنا الأزمة الأولى للمعركة وقد سبق تسجيل ذلك فى مجلة الدبلوماسى.

وأجد هنا وقبل الاستمرار فى سياق رؤيتى لهذه التجربة الشخصية للحرب وفى أسلوب إداراتها عسكرياً وسياسياً لزاماً أن أعود وبإيجاز إلى عرض المقالات الأربع السابقة لكى أربط المسار بعضه البعض وحتى تكتمل الصورة مع التأكيد على قناعتى بأنه- وعندما تقرر الدول والمجتمعات أن تنهج نهج الصدام المسلح وتستخدم القوة العسكرية – فإن واجب الدبلوماسية هو استمرار التحرك لتأمين النجاح للعمل العسكرى وعدم إتاحة الفرصة لإعاقته ... وأخيراً استمرار البحث والسعى لاستكشاف كل الفرص التى ستتاح من أجل التوصل إلى الوضع الاستراتيجي والسياسى الأمثل عند الاتفاق على وقف إطلاق النار، وهذا فى تقديرى الشغل الشاغل عندئذ "لحافظ إسماعيل "مستشار الأمن القومى "للرئيس السادات" ومجموعة العمل المصاحبة له.

وقد يتذكر القارئ الكريم أن المقال الذى نشر فى عدد أكتوبر 2009 من مجلة الدبلوماسى، تناولت فيه الاقتراب من الحرب واليوم الأول أو ربما الستة وثلاثين ساعة الأولى للعمل العسكرى والظروف التى كانت تخيم علينا جميعاً ثم تحقيق المفاجأة الإستراتيجية وما تبعها من ثقة مصرية بالنفس.. ثم صدر المقال الثانى فى عدد نوفمبر من الدبلوماسى لكى يستعرض وقف القتال وتحقيق مصر إلى حد كبير أهدافها من الصدام المسلح وباعتباره ترجمة عملية دقيقة لمفهوم الحرب وهى امتداد للسياسة بوسائل العنف المسلح .. وأخيراً المقال الثالث الذى استعرضت فيه أزمات الأسبوع الأول للحرب سواء على جانب تدهور أوضاع الجبهة السورية أو على جانب المساعى المشددة التى قام بها السوفييت لإقناع "الرئيس السادات" بقبول وقف إطلاق النار ورفضه الحاد لذلك.

وفى هذا المقال نعالج تطورات العمل العسكرى وأزماته فى الفترة من الاضطرار لتطوير الهجوم المصرى والانطلاق شرقاً وما صاحب ذلك من استمرار عمل دبلوماسى هادئ يحبس أنفاسه انتظاراً لنتائج التطوير ولكى نصل إلى اللحظة التى نقدر فيها أن مصر وصلت إلى النقطة المبتغاه فى تحقيقها لأهدافها العسكرية وتبدأ فى السعى لجنى المكاسب السياسية.

 

وأبدأ بالقول إلى تدهور الوضع على الجبهة السورية فرض على مصر أهمية التحرك لتخفيف الضغط على الجيش السورى واجتذاب قوات إسرائيلية رئيسية على جبهة سيناء .. إلا أن الملاحظ أن العدو الإسرائيلى كان ابتداء من يوم 12 أكتوبر يدفع بالكثير من وحداته الرئيسية فعلاً فى اتجاه سيناء، كما كشف تقرير للاستطلاع المصرى فى سيناء، أرسلته العناصر المصرية المنتشرة فى العمق وراء خطوط العدو، وفى اليوم نفسه تم رصد أيضاً، تحرك كميات كبيرة من معدات الكبارى المنقولة وبما يؤشر إلى نية إسرائيل فى القيام بمحاولة لعبور قناة السويس.. وقد استغربت كثيراً عند قراءتى لهذا التقرير المعروض على "حافظ إسماعيل" مستشار الأمن القومى .. إذ كيف يتصور الإسرائيليون أنهم سينجحون فى إزاحة القوات المصرية المتمركزة أمامهم وكيف يمكنهم التعامل مع الفرق المدرعة المصرية والأخرى الميكانيكية المتواجدة غرب قناة السويس وبالقرب منها وهى الفرق المدرعة 4021 والأخرى المشاة الميكانيكى 006023 وعلى أى الأحوال فمن الواضح أن هذه المعلومات لم تفرض اعتباراتها على "الرئيس السادات" الذى صمم على تطوير الهجوم.. أو على رؤية القيادة العامة التى تحركت تحت توجيهاتها .. ومن جانبى أعلم أن جدلاً حاداً دار.. ونما إلى علمنا فعلاً فى هيئة مكتب "حافظ إسماعيل على" فى هذا اليوم 13 أكتوبر – أن قائد الجيش الثانى "اللواء سعد مأمون" كان يقاوم فكرة التطوير لساعات طويلة حفاظاً على القوات وتوازن الجيش على جانبى القناة، وأنه فى سياق جدله مع القيادة العامة أصيب بأزمة قلبية خفيفة فرضت انزوائه وتكليف اللواء "سعد خليل" بمهمة قيادة الجيش الثانى.

وكتبت فى يومياتى سعت 1700 من يوم السبت 13 أكتوبر أن أمام قواتنا حالياً ثلاث مجموعات قتال رئيسية وأن دمشق لا يمكن أن تسقط .. بل ولن يسعى الإسرائيليون إلى الدخول إلى مدينة عربية بهذا الحجم والكثافة السكانية .. بل إن سوريا على حد قولى فى اليوميات سوف تنجح فى صد الاختراق وأضافت اليوميات أن السفير البريطانى قام بإيقاظ الرئيس سعت 0400 فجر يوم السبت 13 أكتوبر ونقل إليه رسالة من رئيس الوزراء البريطانى أن "كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية" طلب من رئيس الوزراء "اليك هيوم" تقديم اقتراح للمصريين مفاده أن إسرائيل لن ترفض وقف إطلاق النار على الخطوط الحالية للقوات المتحاربة وذلك إذا ما وافقت مصر.. وقد رفض "الرئيس السادات" هذا المسعى فى غياب أفق

سياسى متكامل للتعامل مع الصدام وتوابعه السياسية، وكان السفير السوفييتى قد أجرى هو الآخر اتصالاً مباشراً مع الرئيس قبل ذلك ببضع ساعات وفى الدقائق الأولى من السبت 13  

أكتوبر مطالباً بالنظر فى وقف القتال، وكتبت فى يوميات نفس اليوم أن السوفييت يخشون على علاقاتهم مع أمريكا.. كذلك فإن لديهم خشية ولا شك على أوضاع النظام فى سوريا.. وقد طلب الرئيس وفقاً لمحضر الاتصالات التى سجلها السيد "عبد الفتاح عبد الله" وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء أن يكون وقف إطلاق النار مصحوباً بالاتفاق على مفهوم الانسحاب الإسرائيلى من سيناء وتفاهم على جدول زمنى لهذا الانسحاب مع عقد مؤتمر سلام تشارك فيه القوتان العظميان .. وكتبت أيضاً فى هذا السياق أن الرئيس يملك وضوح رؤية عظيم فهو يرى :

-        أن إسرائيل تهاجم سوريا لهدف سياسى وليس عسكرى .. وللمساومة فى المستقبل .. كما أن العسكريين الإسرائيليين يبحثون عن نصر شكلى يخفى الصدمة الإستراتيجية التى تعرضوا لها وحلت بإسرائيل.

-        أن الجبهة الأساسية هى جبهة قناة السويس .. وهى التى ستقرر نتيجة الصراع وأن المعركة الآن هى معركة مصر وليس سوريا وأن الفيصل سوف يكون هو نجاح مصر فى ضرب الجيش الإسرائيلى فى سيناء.

لقد كانت مجموعة النقاط التى تحدث بها الرئيس السادات مع سفيرى الاتحاد السوفييتى وبريطانيا هى نفس النقاط التى تناولها "محمد حافظ إسماعيل" فى رسالته المكتوبة الأولى إلى "كيسنجر" وزير الخارجية الأمريكية مساء يوم 7 أكتوبر وأن هدف مصر الثابت هو فى التوصل إلى سلام شامل فى الشرق الأوسط وليس تسوية جزئية .. من هنا فإن على إسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضى المحتلة، وعندئذ ستكون مصر على استعداد للمشاركة فى مؤتمر دولى للسلام تحت إشراف مناسب.

وبدأت الرسائل بين "حافظ إسماعيل" و"كيسنجر" تتزايد .. وجاء فى رسالة "لحافظ إسماعيل" يوم 9 أكتوبر أن على إسرائيل أن تنسحب إلى خطوط 5 يونيه ويعقد بعد ذلك مؤتمر سلام للوضع والاتفاق على سلام نهائى وأن مصر لا تمانع فى وجود دولى محدد فى شرم الشيخ للإشراف على حرية الملاحة فى مضيق تيران وصنافير.. وأخذ كل ما يعرض مواقفه.. ووضح أن الأمريكى فى إجاباته يناور ويراوغ لكى يستهلك الوقت انتظاراً لنجاح إسرائيلى

عسكرى على الأرض.. من هنا أخذت رسائل كيسنجر تطرح تساؤلات عن المقصود بإشارة مصر إلى الانسحاب من كل الأراضى وهل يسبق الانسحاب المؤتمر أم يتلوه وهكذا .. وعاودت رسالة جديدة من "حافظ إسماعيل" على تأكيد، مرة أخرى الرؤية التى نقلها إلى "كيسنجر" فى بداية الصدام.

لقد كان هناك اعتبارات كثيرة للموقف المصرى الذى سار فيه "الرئيس السادات" ونفذه "حافظ إسماعيل" بالتزام واضح.. إلا أن المؤكد أن عدم الثقة المصرية فى كل من إسرائيل وأمريكا فرض ثقله على صاحب القرار بعدم التوقف عن الصدام خاصة مع خشيته أن يكون الجانبان الأمريكى والإسرائيلى يسعيان فقط إلى وقف مؤقت أو تكتيكى للنيران.. تعاود بعده إسرائيل .. عمليات عسكرية جديدة ضدنا .. إلا أن المؤكد أيضاً أن القيادة السياسية المصرية ناقشت الأمر، خاصة مع تزايد الضغط السوفيتى لوقف إطلاق النار .. إذ جاء فى كتاب "حافظ إسماعيل" المشار إليه – "أمن مصر القومى"- أن الدكتور "محمد فوزى" كان يخشى ردود فعل سلبية فى صفوف قواتنا لو أنها دعيت الآن للتوقف، بينما تكبد القوات الإسرائيلية خسائر فادحة ويستمر تقدمها إلى الشرق من القناة .. لكن "فوزى" عاد واقترح أن تعلن إسرائيل احترامها للسيادة الكاملة للدول العربية المجاورة على أراضيها وأن تطلب رسمياً وقف إطلاق النار.. والحقيقة أن ما كتبه "حافظ إسماعيل" فى هذا الكتاب لم يكن على الإطلاق بعيداً عن تفكيرى وأنا أتابع كل هذه التطورات من واقع ما أقرأه من مكاتبات ومحاضر "عبد الفتاح عبد الله" وغيرها من أوراق وتسجيلات تليفونية.

وتحركت مصر لتطوير الهجوم بعد هذه الوقفة التعبوية فى الفترة من 6 إلى 13 أكتوبر والتى كان من المتصور أنها سوف تمتد حتى نهاية الصدام المسلح.. إلا أن الوضع السورى فرض الخروج منها نحو الشرق.

وعلمت أن تطوير الهجوم، تخفيفاً عن سوريا، مثلها صمم "الرئيس السادات" سيبدأ فى ساعة متأخرة من يوم 13 أكتوبر .. ثم تأجل حتى فجر يوم الأحد 14 أكتوبر.. وكتبت فى يومياتى سعت 1700 من يوم السبت أن إحدى طائرات الاستطلاع الأمريكية من طراز SR 71 مرت فوق الدلتا والقاهرة وإلى قناة السويس وسيناء وخرجت من العريش عائدة إلى مقصدها الذى انطلقت منه فى قاعدة أمريكية بأوروبا.. وكانت على ارتفاع عال للغاية ربما لم يمكن

المقاتلات المصرية أو نطاقات الصواريخ المضادة التصدى لها .. وكان لهذا الاستطلاع آثاره الهائلة على تطورات المعركة .. إذ كشفت الصور الجوية التى قدمها الأمريكيون إلى إسرائيل أن الوحدات الرئيسية المصرية الموجودة فى الاحتياط غرب القناة قد عبرت القناة إلى الشرق أى بما يعنى النية فى التطوير .. وكشفت هذه الصور أيضاً أن غرب القناة قد أصبح خالياً إلى حد كبير من القوات الرئيسية الثقيلة .. وتهيأ العدو بالتالى لتلقى ضربتنا .. ودخلت المعركة إلى ميزان غير مسبوق من الحساسية والخطورة.

وقد لاحظت بعد ذلك بسنوات، أن السيد "حافظ إسماعيل" توصل إلى نفس النتائج والتى طرحها فى كتابه "أمن مصر القومى" عندما ذكر كان الهجوم الذى شنته قواتنا خلال نهار يوم 14 أكتوبر قد حقق الهدف منه، حتى من قبل أن يبدأ انطلاق القوات من قواعدها داخل رؤوس الكبارى .. فمنذ 13 أكتوبر توقفت العمليات الهجومية الإسرائيلية فى جبهة الجولان وأمكن درء الخطر الذى يهدد دمشق، إلا أنه مع انتهاء معركة التطوير فى مساء 14 أكتوبر، كانت القيادة العسكرية المصرية قد استنفذت طاقة قواتنا وبذلك سلمت بميزة المبادرة التى حققتها منذ 6 أكتوبر.. إلا أن الحقيقة أيضاً أن ميزة هذه المبادرة كانت تتآكل منذ بداية الوقفة التعبوية الممتدة لتنتقل فى النهاية إلى القيادة الإسرائيلية.

وأقول من جانبى وبكل اقتناع أن "أحمد إسماعيل على" وقيادة الجيش التى واجهت هذا الموقف بالغ الصعوبة والحساسية فى مساء 14 أكتوبر قد اتخذت القرار الأسلم .. وهو وقف المضى فى الهجوم وتفادى تعريض القوات لمزيد من الخسائر الفادحة خاصة لما لذلك من تأثير على مستقبل المعركة وعلى ضوء ما تقوم به إسرائيل من عمليات مضادة كشفت عنها عمليات الرصد والاستطلاع قبل 72 ساعة أى يوم 11 ، 12 أكتوبر.

 

الجزء السابع: الأزمة الصعبة للأسبوع الأخير للحرب

 

كنا نجلس سويا‏,‏ أحمد ماهر السيد وأنا سعت‏0200‏ من فجر‏21‏ أكتوبر في إحدي مناوباتنا المشتركة بالدور الأول لقصر عبد المنعم‏,‏ والذي كان يستخدم مقرا لمستشار الأمن القومي حافظ إسماعيل‏,‏ نتحدث بصوت خافت مراعاة لوجودنا بالقرب من حجرة نوم حافظ إسماعيل وكذلك السيد عبدالفتاح عبدالله وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء الذي كان مكلفا بحضور وتسجيل كل مقابلات واتصالات الرئيس‏'‏ السادات‏'‏ أثناء فترات العمل خلال النهار ولساعات طويلة بالليل‏.‏

وقد يتصور البعض عند حديثنا عن قصر عبد المنعم أننا نتناول قصرا كبيرا به عشرات الحجرات والقاعات‏...‏ وحقيقة الأمر أن هذا القصر أو هذه التسمية لم تكن سوي لفيلا صغيرة الحجم نسبيا إذ إن هذا الدور الذي كنا نجلس فيه سويا‏'‏ أحمد ماهر وأحمد أبو الغيط لم يكن سوي حجرة طعام أو ما يسمي صالة تطل عليها ثلاث حجرات صغيرة‏,‏ إحداها تستخدم كمكتب لمستشار الأمن القومي وحجرتا النوم مثلما سبق شرحه‏....‏ وكان يوجد علي حافة صالة الطعام مكتب صغير يوجد فوقه بعض أجهزة التليفون والاتصالات مع‏'‏ عابدين‏'...‏ المقر الرئيسي لرئاسة الجمهورية‏...‏ كما كان هناك‏'‏ بارافان‏'‏ أنيق يحجب الجالس علي مقعد المكتب عن بقية صالة الطعام‏...‏ كنا نتحدث‏'‏ ماهر‏'‏ و‏'‏أنا‏'...‏ نتناول الأخطار والتطورات القاتمة التي بدأت تفرض ثقلها علي هذه المواجهة الدموية‏...‏ والمعركة المستعرة شرق وغرب قناة السويس‏...‏ وكنت شخصيا قد بدأت أتبين‏.‏ ـ علي الأقل قبل هذه اللحظة بحوالي‏48‏ ساعة ـ الأوضاع الصعبة التي تسير إليها المعركة‏...‏ إذ كتبت في يومياتي التي كنت أسجلها كلما أتيحت لي الفرصة‏...‏ سعت‏0100‏ من فجر الجمعة‏19‏ أكتوبر‏.

أننا فقدنا المبادأة‏...‏ وأننا سوف ندفع الثمن بالتالي‏...‏ وأن حافظ إسماعيل رغم ذلك يبدو هادئا وواثقا من الموقف وذلك حتي سعت‏0500‏ من فجر يوم‏18‏ أكتوبر‏.‏ من الواضح الآن أن للعدو فعلا قوات كبيرة قادرة علي التعامل معنا في غرب البحيرات‏...‏ كما أن من الواضح أيضا أننا نتعامل معها بأسلوب غير قاطع‏...‏ يجب أن نضرب رأس الجسر الذي يهدد توازن قواتنا في الجبهة شرقها وغربها ثم نتحرك لضرب الاختراق بين الجيشين الثاني والثالث‏...‏ من المهم انتزاع المبادأة بالعمل الفعال النشط وإلا تدهور الموقف واضطررنا إما إلي سحب الجيش من سيناء أو تركه في وضع خطر بها‏.‏

وعند هذه النقطة من هذين المقالين ـ السابع والثامن ـ من سلسلة مقالات شاهد علي حرب أكتوبر‏...‏ يجب أن أنبه القارئ الكريم إلي عناصر أساسية في كل هذا الحديث وهي‏...‏ أنني وعندما كنت أكتب هذه اليوميات والتي تطرقت إليها وسردتها في كل هذه المقالات‏...‏ كنت أتابع وأدقق فيما يحدث وفيما أقرأ من تقارير عسكرية وسياسية‏...‏ إلا أن خلاصاتي كانت تتم في إطار ضبابية الحرب وعدم التيقن من أي شيء وعلما بأن هذه المعلومات والتقارير التي كانت تصل وترفع إلي مستشار الأمن القومي كانت تخضع للإيقاع السريع للمعركة وكثيرا ما جعلتها الأحداث علي ارض الواقع مجرد معلومات حول تطور العمليات ربما منذ ساعات سابقة‏...‏ أما النقطة الثانية التي آمل أن يعذرني القارئ بشأنها‏...‏ هي الاختلافات الشديدة ما بين التشاؤم الحاد‏...‏ والتفاؤل الحذر في متابعة هذه التطورات التي كانت تقع تحت ناظري‏...‏ إلا أن المؤكد أيضا أننا وإلي حد كبير‏...‏ كنا علي اطلاع بالتطورات وعواقبها الخطيرة علي مستقبل الحرب‏.‏

والعنصر الثالث والأخير الذي ينبغي الالتفات إليه دائما وعدم فقدان رؤيته إطلاقا‏...‏ أنه وبرغم كل صعوبات المعركة واللحظات القاتمة التي مرت بنا خلالها‏...‏ فإن هذا كله يجب ألا ينسينا أنه ومع نهاية الصدام المسلح فإن مصر نجحت في تحقيق كل أهداف هذا الصدام‏...‏ إذ فرضت علي الجيش الإسرائيلي الدخول في معركة ممتدة‏,‏ فقد فيها الكثير من قدراته العسكرية ولم يعد هو العنصر المهيمن علي الموقف مثلما كان الأمر بعد‏...67‏ كذلك فلقد انتهي الصدام ولدي مصر قدرات عسكرية كبيرة سواء في الشرق من القناة أو في الغرب منها‏...‏ كما كانت القوات الجوية المصرية نشطة وذات تأثير طوال المعركة وما بعدها‏...‏ وأخيرا تواجد القوات البحرية المصرية التي أغلقت مضيق باب المندب وفرضت علي إسرائيل عدم استخدام ميناء إيلات‏,‏ وبما أدي إلي إلغاء وتجميد التواجد الإسرائيلي في شرم الشيخ‏...‏ وأن القوات المصرية المسلحة وبعد تجربة الصدام المسلح مع إسرائيل‏,‏ وفي ضوء معنوياتها العالية‏,‏ أصبحت قادرة علي تكرار العمل العسكري مرة ومرات إذا ما لم تستجب إسرائيل لمنطق التسوية والانسحاب‏..‏

وفجأة وأثناء جلوسنا ـ ماهر وأبو الغيط ـ أطل علينا الدكتور أشرف مروان الذي كان وجهه عابسا ومتجهما‏...‏ وقال أرجو إيقاظ‏'‏ حافظ بك‏'‏ فورا‏...‏ ثم دخل حجرة المستشار وتحدث لبرهة معه وغادر بعدها فورا‏...‏ وخرج حافظ إسماعيل وكذلك الوزير عبد الفتاح عبد الله الذي تم إيقاظه هو الآخر‏...‏ ولاحظت أن مستشار الأمن القومي يهرول بالصالة الواسعة ثم درج القصر‏...‏ وهو لايزال يحاول ضبط ملبسه‏...‏ وذهب إلي لقاء‏'‏ الرئيس‏'‏ سعت‏0200‏ من فجر يوم الأحد‏21‏ أكتوبر‏.‏

ومرة أخري أعود إلي التفاعل مع أحداث وتطورات اليومين السابقين علي هذه اللحظة الفارقة‏...‏ إذ كتبت في يوميات الجمعة‏19‏ أكتوبر سعت‏1700:[‏ أن رأس جسر العدو به حوالي لواء مدرع‏100‏ دبابة‏]...(‏ وقد كشفت حقائق الأيام التالية والدراسات التي تمت بعد انتهاء القتال إن الجيش الإسرائيلي كان لديه بالغرب ما بين‏4/3‏ ألوية مدرعة‏).‏

وتتطرق اليوميات إلي تساؤلات حول حقيقة أهداف العدو وأكتب في حينه‏...‏

الهدف الإسرائيلي من كل هذا الجهد هو إما الحصول علي رأس جسر ولو صغير وانتظار وقف إطلاق النار‏...‏ أي أن إسرائيل لم تهزم في الصدام مع مصر‏...‏ أو أن تعمل علي محاولة تطويق الجيش الثاني إلي الشمال من البحيرات وحول مدينة الإسماعيلية‏...‏ وهذه عملية صعبة وتحتاج للكثير من الجهد ولا أعتقد أن لإسرائيل القدر الكبير والكافي من القوات لتحقيق ذلك الهدف وعلي الجبهة الدبلوماسية جاء في اليوميات‏:


‏[‏أن المشاورات مع السوفيت ـ كاسيجن وزيارته للقاهرة ـ تضمنت بحث إمكانيات وقف إطلاق النار في المواقع التي بها الأطراف مع الحصول علي ضمانات من القوتين العظميين لضمان انسحاب إسرائيل من سيناء طبقا لمتطلبات القرار‏242...‏ وبسرعة‏...‏ وأن ما يفكر فيه حاليا حافظ إسماعيل‏...‏ هو كيفية تحقيق وقف إطلاق النار‏...‏ والفصل بين القوات وأوضاع رأس الجسر الإسرائيلي لدينا في الغرب‏...‏ وأسلوب التعامل معه سياسيا‏...‏ بالإضافة إلي مؤتمر السلام الذي كنا نطالب بانعقاده فور وقف إطلاق النار وأخيرا تشكيل قوة من الدولتين العظميين تكون مهمتها الفصل بين المتحاربين‏]...‏

وتضمنت اليوميات ولنفس اليوم‏...‏ الجمعة‏19‏ أكتوبر سعت‏1700:‏

‏[‏ أن محاولات إغلاق ثغرة الاختراق من شرق القناة في سيناء لم تنجح‏,‏ وانسحب اللواء مدرع‏25‏ من الجنوب إلي داخل رأس جسر الجيش الثالث‏...‏ وعناصر الفرقة‏21‏ المدرعة من الشمال في رأس كوبري الجيش الثاني وقد لحقتها خسائر جسيمة‏]...‏

ووضح في الكلمات والفقرات التالية التي سجلتها سعت‏0150‏ من يوم السبت‏20‏ أكتوبر أن التشاؤم قد سيطر علي ذهني إذ كتبت‏:‏

‏[‏مازال رأس الجسر الإسرائيلي نشيطا‏...‏ بدأت أشك في إمكانياتنا في ضربه‏,‏ وإذا ما لم ننجح في الساعات والأيام القليلة القادمة في ضربه والقضاء علي هذا التهديد الحقيقي لقواتنا فلن نحقق هدف الحرب ألا وهو تحقيق الانسحاب الكامل من خلال مفاوضات سياسية‏]...‏

ولعل هذه الكلمات التي نقلتها بكل الأمانة من اليوميات تؤشر إلي مدي القلق والتوتر الذي كنا جميعا نستشعره‏...‏ وهنا أجدها فرصة مناسبة أن أتطرق إلي حديث دار مع‏'‏ حافظ إسماعيل‏'‏ ظهر الجمعة‏19‏ أكتوبر‏...‏ بعد أن غادر الكثيرون من أعضاء المناوبة القصر للصلاة في أحد المساجد القريبة وبقيت في المناوبة في الدور الأرضي للقصر‏...‏ وبقاعة كبيرة بها مائدة مستطيلة كبيرة كنا نستخدمها في اجتماعاتنا وكتاباتنا ظهر فجأة مستشار الأمن القومي مرتديا قميصا وبنطلونا وأخذ يتحدث حول الموقف‏...‏ ثم اقترب من الخريطة الكبيرة الموجودة علي حائط الغرفة أمام مائدة الاجتماعات‏...(‏ وهي خريطة كان ضابطا المخابرات العامة المتخصصان في المعلومات والتقديرات الخاصة بإسرائيل والمنضمان إلي هيئة المكتب يشرحان دائما عليها تطورات المعركة أخذا في الاعتبار خبرتهما العسكرية وحصولهما علي دورات عسكرية كثيرة مكنتهما من فهم وتحليل الموقف من ناحية والإبقاء علي اتصال مستمر مع المركز‏10‏ ـ مقر القيادة العامة ـ وجهاز المخابرات العامة من ناحية أخري لتأكيد المعلومات والتحقق منها‏...‏ ولا يفوتني هنا أيضا أن أشير إلي وجود المقدم‏'‏ زكريا عزمي‏'‏ ضابط المدرعات المعار من الحرس الجمهوري إلي سكرتارية الرئيس للمعلومات والمكلف بالعمل في نفس الوقت مع حافظ إسماعيل‏...‏ وكان مع ضابطي المخابرات يساهم في إطلاعنا علي التطورات وتحليلها وتبين أبعادها‏).‏
ووقف حافظ إسماعيل أمام الخريطة وأخذ يشرح أهمية أن تتبني القيادة العامة الحاجة لإنشاء‏...‏ وبشكل فوري‏...‏ قيادة مستقلة عن قيادتي الجيشين الثاني والثالث‏...‏ وتكون مسئوليتها التعامل المباشر مع الاختراق الإسرائيلي في غرب القناة وفي منطقة البحيرات‏...‏ وأوضح في مسار حديثه أن مثل هذه القيادة ستؤمن قدرة السيطرة علي القوات المتاحة لها‏...‏ ويجب أن تكون قوات قادرة‏...‏ وغير متنازع عليها بين قيادتي الجيشين‏...‏ وبذا يتاح للجيش أن يعمل بأسلوب وشكل يتيحان الاستخدام الأمثل والشامل للقوات وبعيدا عن ضياع المسئوليات والمهام بين أكثر من قيادة وقائد‏...‏ وأعتقد أن القيادة العامة‏,‏ وقد استقر وقف إطلاق النار في الفترة التالية وبدأت تعد لتصفية الجيب الإسرائيلي في الغرب‏,‏ قد أخذت فعلا برؤية مماثلة خلال نوفمبر أو ديسمبر‏73‏ عندما تم تكليف اللواء سعد مأمون بقيادة كل القوات والاحتياطيات المصرية التي وضعت تحت إمرته للقيام بالعملية‏'‏ شامل‏'‏ التي استهدفت تصفية الجيب الإسرائيلي في الغرب إذا ما لم تتحرك الأمور في اتجاه التسوية أو الانسحاب الإسرائيلي إلي شرق القناة‏.‏

وقد عكس حديث حافظ إسماعيل وشروحه أمامي في هذه اللحظات ليس فقط حكمته وفهمه لحقائق الوضع الذي يواجه الجيش ولكن أيضا القلق والتوتر الذي كان ينتابه عندئذ مثلنا جميعا‏,‏ علي مستقبل الوضع واحتمالاته‏,‏ إلا أن المؤكد أيضا أنه لم يغب عني النقد المغلف لما وصلت إليه الأمور عندما قال في مسار حديثه‏...‏ يجب أن يكون هناك أحد القيادات ذات الكفاءة التي يمكن أن تتحمل المسئولية‏...‏ وأن تتحرك علي الأرض وسط التهديد‏...‏ ولا يمكن أن تدار المعركة عن بعد‏...‏ ربما إشارة إلي وجود القيادة العامة في صحراء مصر الجديدة وليس علي مقربة من خط المواجهة وهي تقترب من مناطق الحساسية الخاصة في الإسماعيلية‏/‏ والسويس وعقد مواصلات الطرق في هذه المنطقة‏.‏ وقد يقال إن الفريق الشاذلي أوفد يوم‏18‏ أكتوبر إلي نطاق الجيش الثاني‏...‏ إلا أن ذلك تم بالتأكيد بمفهوم مختلف‏.‏

وبعد سنوات من هذا الحديث‏...‏ أقول إن هذا النقد الذي تحدث به حافظ إسماعيل كان يتسم بالكثير من الإحباط من جهة والحذر من عدم الظهور وكأنه ينتقد مفهوم إدارة المعركة من جهة أخري‏...‏ من هنا كان حديثه أمامي فقط‏...‏ وإن كان قد لوحظ أن كتابه أمن مصر القومي الصادر في عام‏...78‏ قد كشف الكثير من مكنون نفسه وأفكاره في هذه اللحظات الحالكة‏.‏ وتبقي نقطة أخيرة حول ما سميته حديث حجرة المؤتمرات إشارة حافظ إسماعيل ظهر ذلك اليوم ـ الجمعة‏19‏ أكتوبر ـ إلي عدم ارتياحه لعلاقات القائد العام أحمد إسماعيل‏...‏ مع رئيس الأركان‏...‏ الفريق الشاذلي وانعكاساتها علي أسلوب إدارة المعركة‏...‏ وهي إشارة كان الكثير من المتابعين للأمر يعلمون بصعوبات هذه العلاقة ليس مع بدء القتال أو الإعداد للمعركة أو حتي تطوير الهجوم ولكن مع أول صدام لهما عند وجودهما في الكونجو سويا عام‏...1960‏ عندما كان أحمد إسماعيل يشغل منصب المستشار العسكري للسفير المصري الدكتور‏'‏ مراد غالب‏'...‏ وكان‏'‏ الشاذلي‏'‏ يقود كتيبة المظلات المصرية التي تشارك في قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة‏...‏ وهو صدام ما كان يجب أن يقع حيث لم يكن لأي منهما صلة تنظيمية بالآخر‏...‏ أو هكذا كان يجب أن يكون‏...‏

وأتطرق الآن ـ مرة أخري ـ إلي عودة حافظ إسماعيل وعبد الفتاح عبد الله بعد فترة وجيزة من اللقاء مع الرئيس السادات في قصر الطاهرة وتكليفه لوكيل المخابرات العامة لكي يرسل إلي كسنجر رسالة عبر وكالة المخابرات المركزية بقبول مصر لوقف إطلاق النار علي الخطوط الحالية للطرفين‏...‏ وكان كسنجر قد وصل موسكو بدعوة من بريجنيف سكرتير عام الحزب الشيوعي السوفيتي وفي أعقاب عودة‏'‏ اليكسي كاسيجين‏',‏ رئيس الوزراء السوفيتي من القاهرة وتفاهمه مع الرئيس السادات علي عناصر تسوية الموقف من خلال وقف إطلاق النار وعقد المؤتمر الدولي وغير ذلك من نقاط سبق التعرض لها سابقا في المقالين الخامس والسادس اللذين نشرا في صحيفة الأهرام الغراء يومي‏5‏ و‏6‏ مارس‏.2010‏

وأجدني اليوم وبعد ما يقرب من‏37‏ عاما من الحرب استعيد هذه اللحظات بالغة الصعوبة عندما قام أحمد ماهر بكتابة الرسالة التي أملاها حافظ إسماعيل عليه لكي تلحق بكسنجر في موسكو‏...‏ ويدلف‏'‏ حافظ إسماعيل‏'‏ بعدها مباشرة إلي حجرة نومه للراحة وقد وصلت الساعة إلي نحو سعت‏...0400‏ وبهدوء قمت و‏'‏أحمد ماهر‏'‏ بالنزول إلي الدور الأرضي للقصر وقد تركنا عضوا من سكرتارية المكتب يتابع التليفونات واحتمالات الاتصالات خلال هذه الساعات البكر من يوم‏21‏ أكتوبر‏...‏ وحاولنا الاسترخاء قليلا‏...‏ وصعب علينا ذلك‏...‏ وأخذنا نتناول الوضع الصعب بالحديث والتحليل خاصة أننا كنا نعلم الآن أننا في سباق مع الزمن‏...‏ إذ نحتاج لوقف لإطلاق النار ولكي نعمل علي بناء الاحتياطيات المطلوبة للاستمرار في المواجهة المسلحة وإنهاء الوجود الإسرائيلي في الغرب‏...‏ ولم ننم ليلتها‏...‏ وعلمت بعد سنوات وعند قراءتي لكتاب‏'‏ حافظ إسماعيل‏'...‏ أنه الآخر لم يستطع النوم‏...‏ لقد كانت ساعات ضاغطة علي النفس عكستها بدقة مشاعري وأحاسيسي سعت‏0815‏ من صباح الأحد‏21‏ أكتوبر‏...‏ مع وجود‏'‏ كسنجر‏'‏ في موسكو في مشاوراته مع القيادة السوفيتية للتوصل إلي رؤية مقبولة للقوتين العظميين يمكن من خلالها الاتفاق علي قرار بوقف إطلاق النار يصدر عن مجلس الأمن بأسرع وقت ممكن‏.‏ وجاء باليوميات في هذا اليوم‏.‏

‏[‏الرئيس كان قد قابل السفير السوفيتي بعد ظهر السبت‏20‏ أكتوبر حيث أبلغه أن القوات المسلحة المصرية مازالت تحاول ضرب رأس الجسر الإسرائيلي‏...‏ ثم طلب موافاة مصر بدبابات وبشكل فوري حيث تنهال علي إسرائيل مئات الدبابات الأمريكية‏...‏ كما أننا نحتاج إلي صواريخ م‏.‏د‏[‏ مالوتكا‏]‏ وهي التي أثبتت معارك الأسابيع الأخيرة فاعليتها وتأثيرها المدمر علي القوات المدرعة الإسرائيلية‏...‏ وأكد الرئيس أيضا في هذه المقابلة أن مصر تطلب اراييل بطاريات صواريخ لأن أغلب البطاريات متوقف‏...‏ وأنه ـ أي الرئيس ـ يرغب في تحقيق مفاجأة للعدو عن طريق إعادة تشغيل بطاريات الدفاع الجوي كلها فجأة‏]...‏

ويجب أن أعترف أيضا أنني وفي هذه اللحظات الصعبة كنت استشعر الكثير من الغضب من أسلوبنا في التعامل مع رأس الكوبري الإسرائيلي أو ما سمي بعد ذلك جيب الثغرة‏...‏ بالذات لما كشفته العمليات الإسرائيلية من استعداد كبير للمخاطرة بل والمغامرة‏...‏ والذي لم يكن مرجعه‏_‏ في تقديري‏-‏ حنكة عسكرية بقدر ما كان يستند إلي معلومات استطلاعية أمريكية كاملة عن مسرح العمليات علي الجانب المصري‏.‏ وبوصول طلائع الجسر الجوي للإمدادات الأمريكية لإسرائيل أصبح هذا المسرح معدا لهذا العبور الإسرائيلي المضاد‏.‏ إلا أنني يمكنني القول الآن أنني كنت ومازلت مقتنعا بأن هذه المغامرة وإقامة هذا الجيب الإسرائيلي في الغرب من القناة كان دائما قابلا للتحول إلي كارثة غير مسبوقة ضد إسرائيل إذا ما تمكنت مصر في الفترة التالية‏,‏ وبعد إعادة بناء الاحتياطات المصرية وبالإيقاع السريع الذي كان يجري عليه العمل‏,‏ بعمل عسكري جديد يضرب الجيب مثلما كان التخطيط يتم لذلك‏.‏ وعلي الجانب الآخر فإن أي صاحب اطلاع علي تطورات المعركة‏,‏ ممن له القدرة علي الحكم والمعرفة‏,‏ يستطيع التوصل إلي نتيجة مفادها أنه كان ينبغي التركيز علي الثغرة في الغرب منذ لحظتها الأولي وما كان يجب الاستهانة بها إطلاقا وما كان أسهل من تدمير كل قوات إسرائيل في الغرب في الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولي‏...‏ ما بين‏15‏ حتي‏19‏ أكتوبر‏...‏ وهنا تدق كلمات‏'‏ حافظ إسماعيل‏'‏ أذني وعقلي عندما أشار إلي خلافات‏'‏ أحمد إسماعيل‏'‏ و‏'‏الشاذلي‏'‏ ونزاعهما في الكيفية التي يمكن بها معالجة الاختراق في شرق القناة وكذلك بدء وجود الجيب الإسرائيلي في الغرب منها‏...‏ وهي مسألة كانت مثار الكثير من التحليلات علي جانبي أصحابها‏...‏ من حيث نقل بعض الوحدات المدرعة من الشرق إلي الغرب من القناة لمعالجة الجيب أو الحفاظ علي وجود الجيشين الثاني والثالث وبكامل وحداته الأساسية في الشرق دون تعديل للأوضاع مع إدارة المعركة بما هو متاح من احتياطيات لدي القيادة العامة والجيشين غرب القناة‏.‏ وحقيقة الأمر وبكل الاقتناع الذي توصلت إليه ومنذ سنوات بعيدة فور انتهاء الصدام المسلح‏...‏ أن الرئيس‏'‏ السادات‏'‏ سلك النهج الأكثر شجاعة لمعالجة الموقف‏.‏ فلقد وضح له أن القوات الإسرائيلية بالثغرة أكبر كثيرا من أن تستطيع القوات المصرية التي تواجهها القضاء عليها في هذا التوقيت أو تلك الظروف‏...‏ كما أن التخفيف من الشرق والنقل إلي الغرب‏...‏ كان له أخطاره‏...‏ سواء في قدرة القوات علي الحفاظ علي رؤوس الكباري تحت الضغط الإسرائيلي في سيناء‏...‏ والإمداد الأمريكي الكبير إلي الجيش الإسرائيلي من خلال العريش‏...‏ أو غياب الاحتياطيات المصرية بالغرب في ضوء خسائرها من قبل قوات إسرائيلية أكبر في الجيب‏...‏ ومن ثم بزوغ احتمال الحاجة إلي انسحاب شامل إلي الغرب وإضاعة كل انجازات العبور‏...‏ بل والتسوية السياسية المرضية لنا‏.‏

من هنا‏...‏ أسرع الرئيس وبحكمة واقتدار إلي الموافقة علي ما طرحه السوفيت من وقف لإطلاق النار‏.‏ ومع ذلك كتبت في يوميات هذا اليوم السبت‏21‏ أكتوبر سعت‏1340'‏ أن شكل التسوية القادم مثلما أراها وفي ضوء المعارك الدائرة من ناحية وما تتحدث به المصادر الدولية والولايات المتحدة‏...‏ من ناحية أخري‏...‏ هي الانسحاب الإسرائيلي من سيناء علي مراحل وعلي مدي عام ونزع السلاح في شبه الجزيرة مع السماح لإسرائيل بالمرور في مضايق تيران وصنافير وحق العبور في قناة السويس مع انتهاء حالة الحرب والاعتراف بإسرائيل وتوقيع معاهدة سلام‏'.‏

وعلي مدي يوم‏21‏ أكتوبر كان القلق يعتصرنا‏...‏ وكنا نترقب مشاورات موسكو بين‏'‏ كسنجر‏'‏ والسوفيت الذين كان الرئيس قد أطلعهم علي موافقته المرسلة إلي‏'‏ كسنجر‏'‏ علي وقف إطلاق النار في نفس ليلة إرسال رسالة‏'‏ حافظ إسماعيل‏'‏ إلي الوزير الأمريكي‏...‏ وتعكس الفقرة المقتبسة من كتاب‏'‏ حافظ إسماعيل‏'...‏ أمن مصر القومي‏...‏ صعوبة هذا اليوم وحيث كتب يقول‏'‏ ومن نافذة غرفتي المطلة علي حديقة القصر‏...‏ شهدت بعض مساعدي يتحاورون‏...‏ ولحقت بهم‏...‏ أتحدث إليهم‏,‏ وأستمع منهم‏.‏ فلم أكن أعرف تماما ماذا حدث حتي نتحرك بهذه السرعة نحو قبول وقف إطلاق النار‏...‏ غير المشروط بالانسحاب الإسرائيلي‏...‏ وانتابني شعور مبهم‏...‏ بالمأساة التي تواجهنا‏'...‏

وأقول اليوم‏...‏ أن الأيام التالية لهذا الحديث الذي شاركت و‏'‏أحمد ماهر السيد‏'...‏ وربما الدكتور‏'‏ عبد الهادي مخلوف‏'‏ فيه صبيحة‏21‏ أكتوبر‏...‏ كانت تحمل الرد الحاسم والتفسير الدقيق للحركة السريعة للرئيس‏'‏ السادات‏'‏ في الموافقة علي طلب القوتين العظميين وقف إطلاق النار‏...‏ إنقاذا للأهداف المصرية من الدخول في هذا الصدام المسلح التاريخي مع أمريكا وإسرائيل‏.‏

وجاءنا بعد ظهر يوم‏21‏ أكتوبر أن الطرفين الأمريكي والسوفيتي قد وافقا علي مشروع قرار سيتقدمان به إلي بقية أعضاء مجلس الأمن في نيويورك يقضي بمطالبة الأطراف المتحاربة بوقف إطلاق النار وبدء أعمال مؤتمر دولي للسلام وعقد محادثات بين طرفي النزاع لتنفيذ القرار‏242‏ لمجلس الأمن الصادر في عام‏67‏ تحت الإشراف المناسب‏.‏ وتناولت رسائل الطرفين الأمريكي والسوفيتي لمصر إشارة إلي الضمانات التي اتفقت القوتان العظميان علي إحاطة مشروعهما بها حتي يتم التنفيذ الفوري والكامل للقرار‏...242‏ كما حملت الرسائل السوفيتية إلي مصر في هذا السياق تأكيدات سوفيتية إضافية بتنفيذ وقف إطلاق النار‏...‏ وعقد مجلس الأمن علي عجل فجر يوم الأحد‏22‏ أكتوبر حيث أصدر قراره الشهير‏338‏ والذي تضمن‏:‏

-        دعوة جميع الأطراف المشاركة في القتال والأعمال العدائية الحالية إلي إيقاف إطلاق النار في خلال اثنتي عشرة ساعة في المواقع التي توجد فيها‏.‏

-        دعوة الأطراف إلي البدء فورا‏,‏ وفور وقف إطلاق النار‏,‏ بتنفيذ القرار‏242‏ بجميع أجزائه‏.‏
‏-‏البدء فورا وبالتزامن مع وقف إطلاق النار بالدخول في مفاوضات تحت إشراف مناسب بهدف إقامة سلام عادل ودائم بالشرق الأوسط‏.‏

وأخذت أحبس انفاسي انتظارا للحظة توقف القتال سعت‏1900‏ من مساء الأحد‏22‏ أكتوبر وأتابع التطورات والعمليات علي الأرض‏...‏ وأخذت استشعر بعض الهدوء بعد يومين بالغي الصعوبة‏...‏ خاصة وقد رصدت بعض التحسن في الأوضاع العسكرية أو هكذا تصورت‏...‏ إذ جاء في اليوميات سعت‏0150‏ من يوم الاثنين‏22‏ أكتوبر‏:‏

‏[‏أن الموقف العسكري تحسن نسبيا‏..‏ مدرعاتنا وقواتنا بغرب القناة تدفع بالعدو إلي رأس جسر ثابت يمكن بعد ذلك تصفيته‏...‏ أو هكذا قدرنا من تقارير المخابرات الحربية والاستطلاع التي كانت تصلنا كل عدة ساعات‏...‏ ستصلنا مائتي دبابة‏T62‏ ربما غدا أو بعد غد كما أن السوفيت نشطوا بالجسر الجوي للإمداد‏...‏ واستعادت بطاريات الصواريخ في قطاع الجيش الثاني كفاءتها‏...‏ كما أن هناك وعودا سوفيتية لموافاتنا بشكل عاجل بعدد‏85‏ مقاتلة ميج‏21]...‏

وكان هناك إشارة أيضا في تقرير للمخابرات الحربية أن الفرقة‏16‏ علي الحد الأيمن للجيش الثاني‏,‏ والتي تحملت صدمة الاختراق الإسرائيلي وبما أدي إلي انبعاج مواقعها‏,‏ ومعها الفرقة‏21‏ المدرعة والدفع بهما إلي شمال رأس الكوبري عدة كيلومترات‏...‏ أنها حققت ومعها اللواء المدرع‏14‏ من الفرقة‏21‏ بعض النجاح واستعادت بعض الأوضاع‏...‏ وأدت هذه التقارير وما ارتبط بها من ضبابية كاملة للموقف إلي محاولة البعض من هيئة مكتب مستشار الأمن القومي إلي محاولة إقناعه بأن قرار وقف إطلاق النار لا يجب احترامه أو الدفع نحو قبوله‏.‏ وتصور البعض أيضا أن القيادة السياسية والعسكرية لم ترصد وسط ضباب المعركة بأن الموقف ليس بهذه الصعوبة‏...‏ وبقيت علي اقتناعي بأن قبول وقف إطلاق النار هو النهج الأمثل في وجه غياب الاحتياطيات القادرة في حينه علي ضرب العدو في الغرب مع الاقتناع بأهمية استمرار الوجود الفاعل والنشيط والمؤثر في شرق القناة تحقيقا لتأمين تسوية سياسية ذات إيقاع عال خاصة أنني كنت أيضا علي اقتناع بأن الجيب الإسرائيلي في الغرب‏...‏ وإذا ما توافرت الاحتياطات وبسرعة‏..‏ سيمكن التعامل معه في فترة تالية إذا ما لم تتحرك الأمور سياسيا نحو تسوية سلمية‏,‏ خاصة أن السفير السوفيتي كان قد أكد للرئيس‏'‏ السادات‏'‏ سعت‏2230‏ من مساء الأحد‏21‏ أكتوبر عندما سلمه رسالة‏'‏ بريجنيف‏'‏ بالموقف الذي توصل إليه السوفيت والأمريكيون لوقف إطلاق النار‏...‏ وردا علي استفسار الرئيس‏...‏ بأن هناك ضمانات روسية‏/‏ أمريكية‏...‏ وأن مقر المؤتمر الدولي سيكون بالأمم المتحدة كما أن الطرفين السوفيتي‏/‏ والأمريكي يضمنان الانسحاب‏.‏

وكان لي حديث آخر مع مستشار الأمن القومي سعت‏1300‏ من يوم الاثنين‏22‏ أكتوبر وقبل دخول وقف إطلاق النار حيز النفاذ‏...‏ أشار فيه‏'‏ حافظ إسماعيل‏'‏ إلي تقديره أن القتال‏...‏ ورغم صدور القرار خلال ساعات قادمة‏...‏ سيستمر علي الأرجح يومين آخرين‏...‏ وأن الأمر سيحتاج إلي قرار آخر‏.‏ ولا شك أن هذا الرأي كان يستند إلي خبرة كبيرة في التعامل مع إسرائيل وعدم التزامها إطلاقا بأي تعهدات تأخذها في حروبها ضد العرب خاصة أن التقدير الغالب عندئذ أن الوجود الإسرائيلي في غرب القناة له نقاط ضعفه وقصوره الشديد التي لا شك لا تغيب عن المصريين‏...‏ من وجهة النظر الإسرائيلية‏.‏ من ثم قدر‏'‏ حافظ إسماعيل‏'‏ انهم سيحاولون توسيع حدود الجيب وربما توسيع العمليات لكي تطول حصار أو تطويق الجيشين أو احدهما‏...‏ ومن جانبي رددت بأنه من الخطورة بمكان وقف إطلاق النار مع وجود إسرائيل في الغرب‏...‏ وأنه من الضروري التلكوء بعض الشئ لحين تصفية الجيب‏.‏ وكان من الواضح أنني مع غيري‏..‏ من المتابعين عن بعد من ميدان القتال ولكن عن قرب أيضا لتطورات المعركة‏...‏ لسنا في الصورة من الأخطار التي كان يراها الرئيس‏'‏ السادات‏'‏ أو أطلعه عليها المشير أحمد إسماعيل علي وزير الحربية عندئذ والتي تناولتها بإيجاز في مقالي الأخير المنشور يوم‏6‏ مارس‏.2010‏ واقترب الآن من لحظة فارقة أخري تتناول مسئوليات حافظ إسماعيل ودوره في هذه الساعات الحساسة‏...‏

وكنت قد تطرقت إليها عرضا في مقالي يوم‏27‏ أكتوبر بالأهرام عندما ألمحت إلي انزواء دور حافظ إسماعيل‏.‏

 

الجزء الثامن: أزمة ما بعد صدور القرار 338

 

فى صباح يوم 23 أكتوبر كان «أحمد ماهر وأنا» نسير سويا.. فى حديقة القصر نتناقش حول الموقف وما يجب توقع انتظاره من تطورات.. ويجب هنا أن أطلع القارئ الكريم على أسباب تواجدنا دائما سويا «أحمد ماهر وأحمد أبوالغيط» فى كل مناسبات الحرب.. فأقول أن هيئة المكتب كانت قد قسمت نفسها - طبقا لتوجيهات السفير مخلوف - إلى مجموعات عمل دائمة.. وكنا - «ماهر» و«أنا» - فى مجموعة عمل واحدة تصادف أن شهدت - ربما - كل اللحظات الأكثر أهمية فى هذه الحرب.. إذ بمستشار الأمن القومى يهبط إلينا قادما من حجرة نومه مباشرة.. وأخذ يتحدث طويلا وباستفاضة.. وصمتنا.. لكى نتيح له فرصة التعبير عن أفكاره وخلاصاته ولكى يحكم قبضته على ما يواجهنا.. وكانت الخلاصة لرؤيته فى إطار تقييمه لأسلوب الدولة المصرية فى إدارة هذه المعركة العسكرية السياسية.. إن «الرئيس» كان يعمل فى غياب ما تصوره «حافظ إسماعيل» الدعم الكافى من كبار معاونيه.. وأنه ترك ليتحمل مسئوليات القرار السياسى و/ أو العسكرى.. فيما عدا بعض المناقشات التى كان بعض كبار المسئولين القريبين منه يجرونها معه بين الحين والآخر.

واعتقادى - بعد مرور كل هذه السنوات - أنه ربما كان «حافظ إسماعيل» يتصور وجود تأثير سلبى للبعض وغياب البعض الآخر عن المساهمة البناءة فى رسم الصورة والموقف.. وأخذ «حافظ إسماعيل» يتحدث ونحن نسير ذهابا وإيابا فى حديقة القصر وهى صغيرة.. وبعد ما يقرب من ثلاثين دقيقة من الحديث معنا غادرنا «حافظ إسماعيل» لكى يرتدى ملابسه الكاملة.. ويغادر إلى بعض اللقاءات مع الشخصيات الرئيسية بالدولة.. وقيل عندئذ.. أنه ذهب للقاء خمس شخصيات كبيرة أو أكثر.. منها نائب الرئيس «حسين الشافعى»/ الدكتور «محمود فوزى»/ «الدكتور عبدالقادر حاتم»/ الدكتور مصطفى خليل/ الدكتور عزيز صدقى/ ووزير الداخلية السيد ممدوح سالم.. وتحدث معهم حول ما يستشعره من حاجة للالتفاف حول «الرئيس» وعدم تركه بمفرده.. ونمي إلى علمنا بعد ذلك.. أن أحاديث «حافظ إسماعيل» ومناقشاته مع أربع من الشخصيات الخمس أو أكثر على الأقل قد وصلت إلى «الرئيس السادات» بشكل أعطاه الانطباع الخاطئ بأن «حافظ إسماعيل» يسعى لتقييد حركته.. ومن ثم كان هذا الموضوع أو هذه المسألة أحد المسببات فى اقتراب مستشار الأمن القومى من نهاية مسئولياته وتكليفه بمهام جديدة.. وتقديرى..

أن هذا الموضوع أو هذه المسألة.. بفرض صحتها ودقتها لم تكن الوحيدة وراء اقتراب «حافظ إسماعيل» من مغادرة موقعه.. وهو ما سوف أتعرض له فى مناسبة أخرى.. ولكن الأمر الهام حسب ما أتذكر.. أن «أحمد ماهر» وبعد مغادرة «حافظ إسماعيل» بعدة أسابيع وفى إطار نقاش لنا حول تجربة الحرب والأمن القومى.. وهى نقاشات كانت كثيرة فى الفترة من فبراير حتى مايو 1974 وحيث كنا فى انتظار النقل إلى بعثات تتيح لنا المزيد من خدمة الدبلوماسية المصرية.. ونقضى أغلب وقتنا خارج ساعات العمل سوياً فى نادى هليوبوليس الرياضى بمصر الجديدة أن قال «أحمد ماهر».. أتعلم يا «أحمد».. لقد كنت على وشك أن أقول له ألا يذهب إلى أى من «شخصيات الدولة».. وأن عليه أن يتحدث - إذا ما اقتنع فعلاً بالأمر - إلى الرئيس مباشرة وحتى لا يعطى الانطباع الخاطئ لرؤيته.. على أى الأحوال كان هذا ما حدث.. وهى قصة كانت محور حديث لى مع د. «عبدالهادى مخلوف» مدير مكتب مستشار الأمن القومى خلال لقاء أخير منذ أسابيع قليلة.

ويبقى أن من المهم لكل من يرغب فى التعرف على المزيد من أحاسيس ومشاعر وتقييم «حافظ إسماعيل» لهذه المرحلة وهذه الأيام بالغة الصعوبة أن يطلع على بعض صفحات كتابه المشار إليه بعاليه «أمن مصر القومى - فى عصر التحديات».

كان «هنرى كيسنجر»، وزير خارجية الولايات المتحدة خلال مراحل كثيرة فى هذا الصدام الذى امتد عسكرياً على مدى ثلاثة أسابيع يمسك بالكثير من الخيوط.. كما أنه وفى الفترة التالية لوقف العمل العسكرى وحتى خروجه من السلطة فى 20 يناير 78 مع وصول إدارة «كارتر» إلى البيت الأبيض، يسيطر على كل جهود التسوية السياسية ويمسك أيضاً بإيقاعها ويسعى للوصول بها إلى نتيجة تحقق السلام والاستقرار بالشرق الأوسط ويؤمن للولايات المتحدة اليد العليا فى مستقبل ومقدرات المنطقة.

ولا شك أن كل من يقرأ كتابات «كسنجر» فى معالجته لهذه الأزمة التى واجهت إدارة الرئيس «نيكسون» فى إحدي أصعب فتراتها.. وهى فضيحة «ووترجيت»، يتبين حجم النفوذ والتأثير الذى كان له فى إدارته للعلاقات الخارجية الأمريكية فى وقت انشغل فيه الرئيس «نيكسون» إلى حد كبير جداً فى محاولة إنقاذ مستقبل إدارته، من هنا فقد أبقى «الرئيس السادات» الاتصال الوثيق مع الجانب الأمريكى.. وكلف «حافظ إسماعيل» بالاستمرار فى تبادل الرسائل بشكل مكثف، كما لم يفت الرئيس السادات أيضاً أن يكتب هو الآخر ويتحاور مع «نيكسون».. وهى حوارات ورسائل أتاحت الفرصة للجانبين لتقييم المواقف تقييماً مفيداً لكل منهما، وأقول هنا أن «الرئيس السادات» وقد أبلغه «حافظ إسماعيل» أن «كسنجر» أحاطه علماً بأهداف زيارته إلى إسرائيل قادماً من موسكو، وفى أعقاب صدور قرار مجلس الأمن 338 نيته فى التحدث مع القيادة الإسرائيلية حول أهمية وقف إطلاق النار ومرحلة ما بعده من بدء مفاوضات السلام ودور القوتين العظميين فيها.. فقد طلب «الرئيس السادات» من «حافظ إسماعيل» الإسراع بدعوة «كسنجر» لزيارة مماثلة لمصر ولكى يؤكد التوازن فى العلاقة بينهما.. إلا أن «كيسنجر» تهرب، وتقديرى الآن وفى حينها أنه كان يعلم بصعوبة الأيام القادمة وأن ظهوره على المسرح المصرى أو العربى خطوة لم يكن قد اكتمل نضجها بعد، وأقصد بذلك نتائج الصدام المسلح الذى لم يكن قد وصل إلى نهايته بعد بشكل مستقر.

وجاءت الأيام التالية.. وبالذات يوما 23/24 بالصدمة الكبرى التى هزت الجميع.. ألا وهى نجاح القوات المدرعة الإسرائيلية فى الوصول إلى ميناء الأدبية ومحاولة دخول السويس وحصار المدينة وفرقتى الجيش الثالث فى الشرق من القناة، وكتبت فى اليوميات سعت 1400 من يوم الأربعاء 24 أكتوبر.. ولم نكن على اطلاع بعد بنتائج هذه المعركة الخالدة.. معركة السويس.. والتى كشفت الكثير فى هذه الحرب وبخاصة فى هذه اللحظات الصعبة.. أن هناك أيضاً جوانب براقة وذات تأثير حاسم على مسار المعركة وتطوراتها التالية.

وأضيف هنا أننى ومع عدد كبير من هيئة مكتب «حافظ إسماعيل» دخلنا السويس فور تحقيق الانسحاب الإسرائيلى من منطقة الجيب فى الدفرسوار.. فى زيارة استغرقت يوماً واحداً.. ورأينا هذا العدد من الدبابات والعربات الإسرائيلية المدرعة والمدمرة بالكامل فى مداخل مدينة السويس نتيجة لهذه المعركة الحاسمة فى هذه الحرب.. كما رأينا هذه الإمكانيات العسكرية المصرية التى كانت متوافرة لدى قوات الجيش فى منطقة الحصار.
وكتبت..

العدو يطوق الجيش الثالث/ «الرئيس السادات» يتحدث مع «برجنيف» سكرتير عام الحزب الشيوعى وزعيم الاتحاد السوفيتى ويطالبه بالتدخل الفورى، وطبقاً لتعهدات السوفييت وضماناتهم التى قدموها إلينا وشجعتنا على قبول وقف إطلاق النار.. وأنه يجب وقف العمليات العسكرية من جانب إسرائيل وإلزامها بذلك من قبل السوفييت والولايات المتحدة.. كما أرسل الرئيس إلى «نيكسون» يطالبه بنفس الموقف فى ضوء نفس التعهدات المقدمة لنا عبر «كيسنجر»/ قطع طريق السويس عند الكيلو 102/ ضربت معابر الجيش الثالث أو على الأقل تم تفكيكها لتفادى تدميرها من قبل الطيران والمدفعية الإسرائيلية التى أصبحت تكشفها/ ثغرات كثيرة فى دفاعات بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات/ القوات الجوية المصرية تبذل جهوداً فائقة ورائعة ومستميتة ومع تحملها لقدر من الخسائر لتحقيق مهام الجيش والدفاع عن القوات البرية/ هل يفرض على الجيش الثالث فى شرق القناة الاستسلام أم أن هذه الفرق المتمرسة سوف تحارب وهما الفرقتان 70، 19

تستمر اليوميات تُكتب وسط ضباب الحرب.. ويجب هنا أن أؤكد أن الحرب - أى حرب - دائماً ما تكون فيها لحظات صعبة وقد تذهب الأمور إلى هذا الاتجاه أو ذاك - أى نصر أو هزيمة - إلا أن المؤكد أن صلابة المقاتلين وتضحياتهم وصحة قرارات القيادة ونضوجها ومعرفتها الواقعية بالموقف الذى تواجهه ويواجهه معها العدو دائماً ما تحقق للطرف الأكثر ثباتاً.. النتائج الأحسن.. واستمرت طوال يومى 24/25 أكتوبر جهود تأمين فرق شرق القناة ومدينة السويس.. وزادت وتيرة الاتصالات المصرية مع الجانبين الأمريكى والسوفيتى وطرحنا الأمر على مجلس الأمن.. وصدر القرار الجديد 339 الذى توقعه «حافظ إسماعيل».. واستشعر السوفييت أن أى نجاح إضافى لإسرائيل أو أى فشل مصرى سوف يكون له عواقبه الخطيرة على الصورة السوفيتية ومن ثم تدخل «برجنيف» بحدة مع «نيكسون» وقرر السوفييت الإيحاء للأمريكيين بنيتهم فى التدخل للفصل بين القوات.. وعلى الجانب الأمريكى.. استجاب الأمريكيون للتحدى شكلياً.. وأعلنوا حالة الاستعداد للقوات الأمريكية عبر العالم... إلا أن الأمريكيين كانوا منتبهين إلى أن السماح بنجاح إسرائيل فيما يتجاوز الحدود المرسومة لها يمكن أن تكون له عواقبه على إهدار فرصة كبيرة أو تاريخية لإمساك أمريكا بالموقف فى الشرق الأوسط وتحويله إلى صالحها بشكل كامل.. من هنا جاءت رسالة «نيكسون» الأخيرة يوم 25 أكتوبر لكى تؤكد أن واشنطن ستفرض على إسرائيل وقف إطلاق النار.. وكانت المعلومات المتواردة إلينا على مستوى الإمداد العسكرى لنا أن القوات المسلحة بدأت فى تلقى أعداد طيبة من الدبابات وحيث وصلت مائة دبابة من يوغسلافيا T55.. كذلك كان من المنتظر وصول المائتى دبابة T62 خلال ساعات فى نهاية يوم 25 أكتوبر وهى معدات ومدرعات كانت ضرورية لإعادة تسليح وتأهيل وحداتنا التى تعرضت لخسائر كبيرة خلال ثلاثة أسابيع من القتال.. كذلك وردت دبابات من ليبيا وكميات من الجزائر.

وكان ما يشغلنى فى الحقيقة.. ويشغل جميع أعضاء هيئة مكتب مستشار الأمن القومى.. هو الكيفية التى سيتم من خلالها تأمين فرق الجيش الثالث فى شرق القناة.. وكذلك كيفية إمداد مدينة السويس مع استمرار وجود عدد كبير من سكانها الذين قاتلوا دفاعاً عنها وهزموا محاولة قوية من جانب الوحدات المدرعة الإسرائيلية فى احتلالها واستمر الضغط المصرى السياسى على الطرفين السوفيتى والأمريكى طوال يوم ,26 وكذلك 27 أكتوبر.

كان الرئيس «السادات» قد طلب فى ذروة الأزمة التى واجهتنا يوم 24 أكتوبر إرسال قوات سوفيتية/ أمريكية مشتركة للفصل بين القوات.. إلا أنه وفى ضوء عدم إمكانية اتفاقهما على ذلك، وكذلك مع وقوع أخطار المواجهة المسلحة- التى رأيتها شكلية وقتها- فقد استقر الأمر على إنشاء قوة طوارئ جديدة للشرق الأوسط فيما سمى UNEF II. وتحت الضغط السوفيتى/ والأمريكى/ والدولى وصلت رسالة من «كيسنجر» فجر يوم السبت 27 أكتوبر ينقل فيها وجهة نظر حكومة «مائير» حول وقف إطلاق النار ووضعية الجيش الثالث الذى كان من الواضح أنه نجح فى إجهاض محاولات دفعه أو فرض الاستسلام عليه.. واقترحت «جولدا مائير» فى رسالة «كيسنجر» إيفاد ضابط مصرى عالى المستوى لكى يقابل رئيس الأركان الإسرائيلى أو حتى وزير الدفاع الإسرائيلى وللاجتماع فى الزمان والمكان الذى نختاره لبحث موضوع «إيجاد مخرج مشرف للجيش الثالث.. وقام «حافظ إسماعيل» بالرد على الرسالة بعد عقد اجتماع هام سعت 0400 وحتى سعت 0600 من فجر يوم 27 أكتوبر.. شارك فيه كل من القائد العام المشير «أحمد إسماعيل على» وكل من «عبدالفتاح عبدالله» و«إسماعيل فهمى» الذى كان يتحمل مسئوليات وزير الخارجية بالنيابة أثناء غياب وزير الخارجية الدكتور «محمد حسن الزيات» فى نيويورك طوال هذه الأسابيع الثلاثة للحرب (وهى فى تقديرى غيبة طويلة ما كان يصح أن تستمر طويلاً بعد بدء العمليات فى 6 أكتوبر.

 وتضمن الرد المصرى حسب يومياتى المكتوبة سعت 0800 من صباح السبت 27 أكتوبر أننا نقترح على «كيسنجر» أن يبلغ الإسرائيليين بأن مصر ستوفد ضابطا مصريا برتبة لواء إلى النقطة 110 على طريق السويس للاجتماع وبحث تفاصيل تنفيذ القرارين 339 و338 الصادرين عن مجلس الأمن فى الأيام الأخيرة.. وكذلك اقتراح إيقاف القتال كلية سعت 1300 يوم السبت ,.27 وأضافت الرسالة المصرية أن موعد اللقاء سيكون سعت 1500 من بعد ظهر نفس اليوم وسوف يصحب الوفد المصرى إلى الاجتماع «قُول» إدارى لسيارات تموين للجيس الثالث ومدينة السويس، حمولة 60 طنا فورا.

وأضفت فى يومياتى: أعتقد أن إسرائيل ستقبل.

وكان (حافظ إسماعيل) قد أبلغنا أن الجيش وقيادته مصممان على أنه وفى حالة عدم سماح إسرائيل بسريان قوافل الإمداد إلى السويس وفرق الشرق للجيش الثالث فسوف نقوم بتوجيه ضربة قوية لفتح الطريق بالقوة - خاصة أنه قد بدأت إمدادات الجيش بالمدرعات القادمة من الأصدقاء والأشقاء تصل وتستلمها الوحدات. وكان المنطق المصرى أن هناك وحدات دولية تابعة لقوة الطوارئ والمراقبين بدأت تصل إلى مواقعها وأنه يمكن وفى ظل هذه القوات العودة إلى فتح الطريق بالقوة.

وكشفت الساعات التالية استمرار توتر الموقف بين القوى العظمى.. واستمرت مصر تطالب الطرفين الأمريكى والسوفيتى بعودة إسرائيل إلى خطوط وقف إطلاق النار المفترض فى 22 أكتوبر..

كشفت تجربة هذه الأيام الصعبة أن (النجاحات) الإسرائيلية كان لا يزال أمامها الكثير لكى تحقق الهدف منها أو تتمكن من كسر إرادة الجيش المصرى.. خاصة أن لدى مصر أيضا الكثير من أوراق الضغط فى مقدمتها.. الإمكانيات القتالية الكبيرة للفرقتين المدعمتين فى رأس كوبرى الجيش الثالث.. وكذلك نجاح مدينة السويس / شعبا وجيشا وشرطة فى رد عملية احتلال المدينة وبخسائر كبيرة لإسرائيل...

وأخيرا استمرار تصاعد الضغط المصرى من الغرب فى اتجاه طريق السويس وسرعة مصر فى بناء الاحتياطات واستكمال تأهيل وحدات احتياطى القيادة العامة والفرق التى تعرضت لخسائر فى السابق جرى استعواضها الآن وهى الفرق 21 مدرع /4 مدرع /23 مش ميكا /6 مش ميكا.. وكذلك قدرات كبيرة لمصر فى منطقة الإسماعيلية وإلى شرق القناة فى نطاق فرق الجيش الثانى الميدانى.

ومن المهم فى هذه المرحلة من التحليل لمجريات هذه الأيام فى ختام الحرب أن نقول إن رسالة (مائير) عبر (كيسنجر) لم تأت من فراغ.. بل سبقها اقتراح جاء من الجانب البريطانى قدم للسوفييت ونقله السفير السوفيتى لنا فى مقابلته مع (الرئيس السادات) سعت 2400 يوم 25 أكتوبر.. أى فجر .26 ويقضى الاقتراح بأن تقوم مصر بتسليم الأسرى الإسرائيليين إليها وأن (ترفع المدمرات والوحدات المصرية المتواجدة فى مدخل باب المندب التى تفرض حصارها على تجارة إسرائيل وسفنها واستخدامها لميناء إيلات.. وفى المقابل.. فإن إسرائيل على استعداد للانسحاب إلى مسافة معقولة وبما يتيح للجيش الثالث اتصالا مباشرا مع بقية الجيش المصرى). (واستشعرت الرضا لقراءتى لهذه المقابلة التى تحدث بها السفير السوفيتى مع (الرئيس).. وفكرت لحظتها فى حديث الفريق بحرى (فؤاد ذكرى) فى الأسبوع الثانى من سبتمبر .73 عندما قال لى: (إننا سوف نقطع أوصال اتصالاتهم وخطوطهم البحرية وسنضربهم بعنف وسنربك خططهم ونلقنهم درسا).

لقد وفى الرجل بكلمته وله أن يرقد قرير العين وقد حقق لبلاده ما وعدها به.. لقد توفيت حماته منذ أسابيع قليلة.. ودهشت من هذا الطابور الممتد من ضباط وأفراد البحرية المصرية وبالملابس الرسمية وهم يقدمون واجب العزاء بمسجد عمر مكرم بالقاهرة.. بعد وفاته بأكثر من ربع قرن.. إنها مصر.. الواجب والوفاء لكل من قدم لها من أبنائها.

وكتبت فى اليوميات المسجلة بخط يدى وبالقلم الرصاص سعت 0800 من السبت 27 لوقائع الأيام الأخيرة السابقة.. والتى ونتيجة للضغط وتراجع المعنويات لم أعد قادرا على الكتابة والتسجيل لحظة بلحظة مثلما فعلت فى بدايات الحرب: (الرئيس يوافق من حيث المبدأ، خاصة أن السفير السوفيتى أكد فى حديثه أن بريطانيا أبلغت السوفييت أن إسرائيل ستوافق.. إذا ما عرض عليها الأمر).. بمعنى.. وبمفاهيم الدبلوماسية... أن بريطانيا بحثت الأمر مسبقا مع إسرائيل. وأخذت أقلب الأمر وسجلت.. عما إذا كان التحرك هو مبادرة بريطانية مستقلة لجس النبض.. وأسرعت بالقول إننى لا أعتقد ذلك.. ومن ثم هل هذا يمثل جس نبض من إسرائيل لتحقيق بعض المكاسب الرئيسية قبل أن يفرض عليها إيصال المؤن إلى مدينة السويس والجيش الثالث فى الشرق..

وتساءلت عما إذا كان الطرف الإسرائيلى الذى سيلتقى معنا سعت 1500 من يوم 27 أكتوبر سيطرح نفس الطرح.. خاصة أن الجانب البريطانى فى طرحه للفكرة أشار إلى أنها تمثل اتفاقا منفصلا ومستقلا بين مصر وإسرائيل وبعيدا عن تسوية شاملة ولكى تحل مسألتى إغلاق مضيق باب المندب وبالتالى مضيق تيران.. وإيجاد صلة أرضية بين القوات فى السويس وبقية القوات المصرية.

ووصلتنا رسالة من «كيسنجر» يقترح حضوره فى زيارة للقاهرة يوم 6 نوفمبر ولمدة يوم للبحث فى كل عناصر التسوية وتنفيذ القرار 338 ،242 ورحبت مصر بالزيارة. وفهمت من أوراق «حافظ إسماعيل» ومقابلاته مع «الرئيس السادات» أن الرئيس ينوى أن يعرض على الجانب الأمريكى وقبل مجىء «كيسنجر» أفكاراً محددة تدور حول:

-        انسحاب إسرائيلى إلى خطوط 22 أكتوبر فى مقابل قيام مصر بتسليم الأسرى الإسرائيليين لديها وأن تفتح باب المندب.

-        إنسحاب إسرائيلى تال وبعد ذلك بفترة وجيزة إلى شرق ممرات سيناء فى مقابل قيام مصر بالبدء فى تطهير قناة السويس.

-        عند استكمال انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية للقناة يبدأ مؤتمر السلام.. ويمكن لمصر أن ترسل وابتداءً من الآن مقدمة للوفد المصرى إلى جنيف أو نيويورك للبحث فى الجوانب الإجرائية الأولية للمؤتمر.

-        وعدت أكتب فى اليوميات سعت 0010 من الأحد 28 أكتوبر أنه قد تحدد للمقابلة بين العسكريين المصريين والإسرائيليين سعت 2400 يوم 27 أكتوبر.. ووقع بعض سوء الفهم.. إذ إن الإسرائيليين توجهوا إلى النقطة 110 فى اتجاه السويس وفهم الجانب المصرى أنها النقطة 101 من الطريق.. وتم تدارك الموقف والتقى« اللواء الجمسى» رئيس هيئة العمليات مع الجنرال «ياريف»... ووعد الأمريكيون أن يتم فى نفس الليلة دخول «قُول» إدارى للتموين من ثلاثين مركبة.. وأخذ المستشار «حافظ إسماعيل» يتحدث عن النية فى عمل عسكرى يوجه ضربة لفتح الطريق عنوة وتحت مظلة وجود الأمم المتحدة التى كانت قواتها قد بدأت احتلال مواقعها بين الجانبين.

-        جاء فى اليوميات سعت 1715 من الأحد 28 أكتوبر... «يقول الجنرال «ياريف» أنه ليس لديه تعليمات ببحث العودة إلى خط 22 أكتوبر أو مسألة الانسحاب بل أثار موضوع الملاحة فى البحر الأحمر/ وباب المندب وكذلك تبادل الأسرى/ أن اللقاء شابه الاحترام المتبادل» واليوم أقول... مثلما توصلت فى وقتها... إلى نتيجة مفادها أن رغبة «كيسنجر» الحضور إلى مصر أوضحت عدم نيته فى السماح للمصريين أو الإسرائيليين بالتوصل إلى اتفاق فيما بينهم وبمعزل عن الولايات المتحدة مثلما حاولت بريطانيا... وأننا لا يجب أن نتوقع بالتالى أى نتائج من محادثاتنا الحالية بين العسكريين سوى تفاهمات حول عدم كسر وقف إطلاق النار وأسلوب الإمداد للمدينة المحاصرة وغير ذلك من مسائل التنظيم وخطوط الاتصال بين جيشين يدخلان بشكل كثيف فى بعضهما البعض.

وعلمت أن السيد «إسماعيل فهمى» سيسافر يوم 28 أكتوبر إلى واشنطن لمقابلات مع كيسنجر وربما «نيكسون»... كما سيعود الدكتور «الزيات» أخيراً... وأضفت فى اليوميات «أعتقد أن «الزيات» فى طريقه للخروج قريباً جداً... فلقد نجح «إسماعيل فهمى» فى امتلاك فكر «الرئيس» فى شهر الصدام الحالى وخلال الأزمة ومن ثم فإن تقديرى - عندئذ - أن «الرئيس» سيستفيد به وزيراً للخارجية فى المفاوضات القادمة... خاصة أن أزمته مع «مراد غالب» وزير الخارجية خلال 1972 كانت معروفة للجميع عندما وجه «إسماعيل فهمى» انتقادات حادة إلى السوفييت بما دفع «مراد غالب» إلى تجميده... لقد كان إلغاء تعيين «إسماعيل فهمى» سفيراً لمصر فى ألمانيا فى بداية عام ,.73 وتكليفه بالعمل وزيراً للسياحة... واستمراره خلال تلك الفترة فى الكتابة إلى «الرئيس السادات» برؤيته فى الموقف وتطوراته... وكيفية التحرك على مستوى الأمم المتحدة وتقييمه لفرص ووسائل تنفيذ القرار ,.242 كانت كلها مؤشرات بأنه يعد ليشغل مهام وزير الخارجية بدلاً من «الزيات» الذى لا شك أنه غاب عن المسرح الداخلى فى فترة حاسمة وهامة».

وكنت أستشعر الكثير من القلق والضيق فى أسلوب «حافظ إسماعيل» ومعالجة بعض المسائل... وبما دفع «بأحمد ماهر» فى حديث ممتد معى إلى القول باقتناعه إن هناك صراعات شديدة فى قمة السلطة وإن هناك تيارات متنازعة... وإنه أخيراً لا يعتقد أن «حافظ إسماعيل سيستطيع أن يبقى كثيراً أو أن يعمل مع وجود «إسماعيل فهمى» الذى وثق به «الرئيس السادات» فى شهر الصدام.

لقد كانت مهمة «إسماعيل فهمى» هى محاولة التأثير على «كيسنجر» والجانب الأمريكى ولكى يأتى الطرح الأمريكى مثلما حاول «الرئيس السادات» صياغته فى الصفحات السابقة... ومن جانبى لم أتوقع تحقيق أهداف هذه المهمة... لأن «كيسنجر» كان يحاول تحقيق الهدف المطلوب بنفسه ولكن فى القاهرة أثناء زيارته لها.

على الجانب الآخر.. أخذ «الرئيس السادات» يتحدث مع السوفييت فيما كان «حافظ إسماعيل» قد أطلعنا عليه.. وهو نيتنا فى توجيه ضربة قوية لغرض فتح طريق السويس إذا ما لم نتبين جدية فى الموقف الأمريكى و/ أو الإسرائيلى.

وقد قرأنا فى السنوات التالية للصدام المسلح الكثير من الادعاءات والمزاعم بقدرات غير موجودة أو خيالية لدى الجيش الإسرائيلى.. ورددت «جولدا مائير» رئيس الوزراء الإسرائيلية.. كما تحدث «ديان» وزير الدفاع و«العازر» رئيس الأركان ومجموعة الجنرالات الذين قادوا الجهد الإسرائيلى فى غرب القناة.. «برن ادن»/ «ماجن»/ أو «شارون» أنه تم إيقافهم تحت تهديد الولايات المتحدة وفرضها عليهم ضرورة وقف الأعمال العدائية قبل استكمال مهام قواتهم. والحقيقة أن هذه فى تقديرى.. وفى رؤية الكثيرين من المعلقين العسكريين.. مقولات تجافى الواقع تماما وتتناقض مع ما حدث على الأرض.

وإذا كان يمكن أن نعترف أن الكثير من الاحتياطيات المصرية قد لحقت بها خسائر فادحة فى الغرب نتيجة لسوء الاستخدام أو الحشد أو طبيعة المهام المشوشة التى ألقيت على عاتقها فى لحظات صعبة.. إلا أن المؤكد أن هزيمة المسعى الإسرائيلى أمام السويس يكشف أن القوات الإسرائيلية كانت ومع وصولها إلى مشارف هذه المدينة المصرية الباسلة منهكة وقد تعرضت لخسائر جسيمة غير مسبوقة فى تاريخ إسرائيل.. حوالى 500 إلى 600 دبابة.. وبذا لم تكن لديها القدرة على الدفع مرة أخرى.. أى وصلت إلى أقصى ما تستطيع تحقيقه تحت الظروف التى كانت ستتغير بالحتم إلى صالح مصر إذا ما استمر بناء القدرات المصرية خلال الأسابيع التالية.. مثلما شهدناه فى تحضيرات العملية «شامل» لتصفية الجيب فى الغرب فى الشهور التالية، وأيضا فى حفر الدفاعات وموانع الدبابات فى منطقة الجيب الإسرائيلى وبما يؤشر إلى تنبه إسرائيل أنها هى التى ستتعرض لعمل عسكرى مصرى فى غرب القناة.

أما ادعاءات «شارون» أنه كان على مقربة من الإسماعيلية... أو أوشك على دخولها.. فهى أيضا تقولات لا قيمة لها.. إذ إن الدفاع المصرى الصلب فى الغرب وجنوب طريق الإسماعيلية وشراسة وحدات ومجموعات الصاعقة وعناد قوات المظلات التى قاتلت على المصاطب. كلها تسببت فى دحر الجهد العسكرى الذى ركز على الإسماعيلية.. وكشف الانسحاب بعيدا عن المدينة.. أن هناك أيضا فى قطاعات الجيش الثانى.. فقد وصل الجهد الإسرائيلى إلى أقصى ما يستطيع ولم يعد هناك متاح إلا انتظار تلقى الضربة المصرية القادمة لتصفية الجيب.

ومع بدء استقرار وقف إطلاق النار كتب السيد محمد حسنين هيكل».. مقالا بالأهرام حول إدارة المعركة على الجانب المصرى واستشعرت الاستياء الشديد من جانب «حافظ إسماعيل» مما كتب عندئذ وحيث قدر مستشار الأمن القومى أن المقال يمس بالقائد العام فى ظروف بالغة الصعوبة وأنه يجب الاعتراف «لأحمد إسماعيل» بأنه حارب وحطم خط بارليف وتحت إمرته هذه القوات الرائعة والقيادات ذات الإرادة الحديدية ثم تحمل عبء المواجهة التالية مع إسرائيل ثم حقق هدف الحرب وأنهى الصدام فى التوقيت المناسب محافظا بذلك على فاعلية وقدرة القوات المسلحة ومع تكبيد إسرائيل لخسائر فادحة وأخيرا قدر الموقف بدقة وبشكل أدى إلى إنذار القائد الأعلى بأهمية الوصول إلى وقف لإطلاق النار بما لا يتجاوز 72 ساعة.

والمؤكد.. فى تقديرى أن هذا الرأى الذى تحدث به «حافظ إسماعيل» وآراء أخرى كثيرة كتبت فى تفاصيل العملية العسكرية وتحدثت عما كان يمكن ومالا يمكن.. أن مثل هذا الجدل الإيجابى سيبقى معنا ولسنوات.. إلا أن المؤكد أيضا أن أسماء مثل «يوسف عفيفى»/ «أحمد بدوى»/ «عبد رب النبى حافظ»/ «حسن أبوسعدة»/ «فؤاد غالى»/ «العرابى»/ «قابيل»/ «الزمر» وغيرهم كثيرون.. وبمن فيهم الفريق «الشاذلى».. سيبقون دائما فى ذاكرة المصريين إلى مئات قادمة من السنوات.. لقد كانت أياما صعبة.. بعضها قاتم.. ولكنها كانت رائعة فى نفس الوقت. ومرة أخرى آمل أن يتاح لى الوقت والظروف لكى أستكمل الكتابة فى هذه الحرب.. والاتصالات مع الأمريكيين والروس على المستوى الدولى.. أو الاتصالات والمفاوضات مع الإسرائيليين على المستوى العسكرى وأخيرا الأسلوب الشامل الذى أدارت به مصر الحرب فى أبعادها العسكرية/ الاقتصادية / السياسية بما فيها الشق العربى واستخدام سلاح البترول.

وأخيرا خلاصات الحرب ونتائجها وما حققته مصر خلالها من نجاحات عسكرية وسياسية فرضت التسوية السياسية فى نهاية المطاف وأدت إلى استعادة سيناء بالكامل خلال سنوات تالية.

الجزء التاسع: شاهد على الحرب

 

وأعود مرة أخرى إلى ما تضمنه كتاب "حافظ إسماعيل" فى تحليله لنتائج هذا اليوم أن الأمر كان يقتضى المسارعة من جانبنا بإعادة تسليح وتنظيم الوحدات التى خاضت المعركة وإعادة تجميعها وانتشارها خلال 24/48 الساعة التالية استعداداً للمرحلة القادمة والحتمية من عمليات العدو، أخذاً فى الاعتبار أن فشل الهجوم المصرى يوم 14 أكتوبر كان هو المنطلق الصحيح لشن الهجوم الإسرائيلى المضاد.

والحقيقة أن هذه النقاط التى تناولها "حافظ إسماعيل" فى تحليله لتوابع معركة التطوير لم تكن غائبة عن ذهن صاحب القرار المصرى الذى سعى للحصول على أكبر دعم عسكرى لمواجهة متطلبات هذه المرحلة الخطرة القادمة. وترصد يومياتى سعت 0700 لنفس اليوم الاثنين 15 أكتوبر، أن مصر حصلت على مائتى دبابة من يوغسلافيا، كانت سترسل خلال الأيام التالية بالبحر إلى ميناء الإسكندرية كذلك كان هناك حديث يدور حول دبابات من كل من المغرب – الجزائر – ليبيا.

لقد بدأت هذا المقال بإشارة إلى الأدميرال "جون جيلكو" الذى كان يمكن أن يخسر الحرب لبريطانيا فى نصف نهار .. وأنهى مقال اليوم بأن "أحمد إسماعيل على" القائد العام للقوات المسلحة.. كان يمكن أن يخسر الحرب هو الآخر خلال نهار 14 أكتوبر .. إذا ما كان قد صمم على الاستمرار فى عمليات الهجوم وصولاً إلى مداخل المضايق مثلما كان الهدف عندئذ.

اقترنت الأيام القليلة التالية لنجاح إسرائيل فى إجهاض جهد القوات المصرية لتطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر بعدد من التطورات الهامة التى كان لها تأثيرها الكبير على شكل مسار العمل العسكرى من ناحية، والجهد الدبلوماسى من ناحية أخرى. فقد تحرك "الرئيس السادات" يوم 16 أكتوبر لكى يطرح أمام مجلس الشعب المصرى الرؤية المصرية المتكاملة فيما تتصوره مصر من شكل للتسوية المقترحة ويصيغ بشكل متكامل كل ما تحدث به مع سفراء الدول الرئيسية على مدى الأيام السابقة وما تضمنته رسائل "محمد حافظ إسماعيل" إلى "كيسنجر" طوال الأسبوع الأول للحرب.

جاء حديث الرئيس السادات أمام المجلس لكى يؤكد أن هدف مصر هو استعادة أراضيها فى سيناء وتحريرها من الاحتلال الإسرائيلى، كما أن مصر على استعداد لقبول وقف إطلاق النار على أساس انسحاب إسرائيل من كل الأراضى المحتلة فوراً وتحت إشراف دولى، وأن مصر على استعداد، فور إتمام الانسحاب من كل الأراضى المحتلة، أن تحضر مؤتمر سلام دولى بالأمم المتحدة من أجل وضع قواعد وضوابط سلام فى المنطقة يقوم على الحقوق المشروعة لكل شعوبها، ثم ذكر "الرئيس أخيراً استعداد مصر للبدء الفورى بتطهير قناة السويس وفتحها للملاحة. ولاشك أن هذا الطرح تضمن إشارات جديدة بشأن الحقوق المشروعة لكل شعوب المنطقة وكذلك ضوابط وقواعد السلام فى المنطقة... وهى كلها إشارات مضت فيها مصر منذ ذلك الحين وحتى الوصول إلى محادثات كامب دافيد وتوقيع معاهدة السلام المصرية/ الإسرائيلية ، مروراً بمؤتمر جنيف للسلام فى ديسمبر 73.

وكان حافظ إسماعيل فى سياق اتصالاته مع "كيسنجر" قد نقل إلى الأخير رؤية مصرية قريبة لما تحدث به "الرئيس" وإن كانت قد تقدمت بعض الشئ عما جاء على لسان "الرئيس" أمام الشعب. وقد طلب إسماعيل يوم 10 أكتوبر أن تنسحب إسرائيل فى فترة زمنية محددة إلى خطوط 5 يونيو وذلك تحت إشراف الأمم المتحدة وأنه عند إتمام الانسحاب تنهى حالة الحرب، كما أنه وبعد الانسحاب أيضاً يوضع قطاع غزة تحت إشراف الأمم المتحدة وإلى حين مباشرة الفلسطينيين حق تقرير المصير.

وجاء رد كيسنجر سريعاً على خطاب الرئيس أمام مجلس الشعب وكذلك رسالة حافظ إسماعيل المرسلة يوم 9 أكتوبر المشار إليها بعاليه وحيث وضح أن أمريكا تبغى إنهاء القتال والصدام الحالى تحت ظروف تسهل التقدم نحو تسوية نهائية وكانت هذه الفقرة فى رسالة "كيسنجر" كاشفة لما سعى إليه الأمريكى خلال الأسبوع التالى من القتال والتى استهدفت مساعدة إسرائيل بكل الدعم العسكرى لكى تعيد التوازن العسكرى والاستراتيجى مع مصر وبما يمكن "كيسنجر" أن يلعب دوره فى التقريب بين الأطراف والتحرك بها نحو تسوية للنزاع . وعاد "كيسنجر" لكى يؤكد لحافظ إسماعيل أن الرؤية المصرية التى جاءت فى خطاب "الرئيس السادات" ورسائل "مستشار الأمن القومى المصرى" لا يمكن تحقيقها إلا من خلال حرب ممتدة وأن مصر عليها أن تنظر فى تقييد أهدافها إذ أن الإصرار على الحد الأقصى للرؤية المصرية سيعنى استمرار

الصدام المسلح واحتمال تعرض كل النجاح المصرى المحقق حتى الآن للتآكل وركز "كسينجر" أخيراً على مطلبه فى أهمية وقف إطلاق النار على الخطوط الحالية مع تأمين موافقة الأطراف المتنازعة ببدء مفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة لإقامة سلام كامل وعادل على أساس القرار 242 مع أهمية التوازن بين السيادة والأمن.

وكان "كيسنجر" فى هذا السياق قد كتب إلى "حافظ إسماعيل يوم 14 أكتوبر بأن أمريكا سوف تسعى إلى إمداد إسرائيل بمعدات ومواد ستستهلك"

وكتبت فى يومياتى الساعة 07.. من يوم 15 أكتوبر أن هذه الرسالة الأخيرة توضح أن القرار الأمريكى فى البدء بالإمداد يشير – كحجة – إلى بدء السوفييت فعلاً بإمداد مصر وسوريا باحتياجاتهما للاستمرار فى المعركة، وأوضح "كيسنجر" أيضاً فى رسالته أن الولايات المتحدة ستوقف هذا الإمداد فور توقف القتال، وأضاف أنه يريد استمرار هذا التشاور المفيد وأنه طلب من إسرائيل عدم التعرض للمدنيين وأنه كان أيضاً قد حصل من إسرائيل على موافقة بوقف إطلاق النار على المواقع الحالية إلا أن مصر هى التى رفضت الأمر.

وبطبيعة الحال فإن أى قارئ اليوم لهذه الرسائل مع ربطها بتطورات القتال على الأرض بدءاً من يوم 15 أكتوبر مساء يصل إلى هذه النتيجة الواضحة أن أمريكا كانت قد قررت فى ضوء رفض مصر لوقف إطلاق النار أن تسعى إلى إحداث تغيير جوهرى على الأرض يعيد التوازن إلى الموقف، من وجهة النظر الأمريكية، ويمكن إسرائيل من تحقيق مكاسب فى مقابل المكاسب المصرية فى تحطيم خط بارليف واستعادة السيطرة العسكرية المصرية على هذا الشريط الممتد طوال مواجهة القنال وإلى الشرق منها وبعمق 10/15 كيلومتر.

وأقول إن هذا التبادل المصرى/ الأمريكى للرسائل والمواقف وطرح "الرئيس" لرؤيته بشكل متكامل أمام المجتمع الدولى، اقترن أيضاً بزيارة مهمة قام بها "كاسيجين" رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى، للقاهرة مساء يوم 16 أكتوبر، وكان الواضح أن" الرئيس السادات" وفى اختياراته لموعد إلقاء بيانه أمام مجلس الشعب فى صباح يوم وصول "كاسيجين"، استهدف طرح الموقف المصرى المتكامل وبما لا يتيح "لكاسيجين" أن يؤثر على قرارنا فى المضى فى السعى لتحقيق أهداف الصدام وعدم القبول بالمطلب السوفيتى لوقف إطلاق النار على الخطوط الحالية دون

وضوح الأفق السياسى للتسوية المطلوبة، وكتبت فى يومياتى لهذا اليوم سعت 10:00 من الثلاثاء 16 أكتوبر يحضر "كاسيجين" إلى مصر اليوم/ سيحاول الضغط علينا من أجل وقف إطلاق النار/ سيلقى الرئيس خطابه ليسبق "كاسيجين" وليعلن مبادرته فى النقاط الخمس وسوف يورط ذلك السوفيت فى مواجهة الأمريكيين الذين أخذوا هذا القرار المتعلق بالدعم العسكرى لإسرائيل/ وسوف يتأزم الموقف سياسياً، وجاء فى اليوميات فى هذا السياق أيضاً إشارة إلى محاولة الرئيس فى استخدام اتصالاته الوثيقة بشاه إيران لكى يتحرك فى اتجاه أمريكا ولتخفيض غلواء الموقف الأمريكى، وهنا يجب أن أذكر أن "الرئيس السادات" قد أبقى على أكبر قدر من التواصل والاتصال مع "الشاه" منذ بداية العمل العسكرى عن طريق "سفير إيران" النشط بالقاهرة عندئذ.

وأخذ الشاه من جانبه يتجاوب مع "السادات" ويرد عليه ويسعى لمحاولة التأثير على الموقف الأمريكى لصالح مصر.. وهى مسألة لا أعتقد أنها كانت بعيدة عن تفكير "الرئيس" فى رد فعله على ما واجهه "الشاه" بعد ذلك وقبول "السادات" بلجوئه إلى مصر.

ومن المهم هنا أن أتطرق إلى ما سبق وأن تحدث به "حافظ إسماعيل" معى فى الأيام الأولى للصدام وحيث قال ما معناه أنه لا يمانع الآن فى لقاء "إيجال ألون" خاصة وقد تحررت مصر من مأساة وإذلال معركة 67 وأعود للقول بأن يوميات الساعة 0100 من يوم 16 تتناول أيضاً هذه المسألة مرة أخرى وحيث عاودت مناقشة الأمر مع مستشار الأمن القومى مشيراً إلى أهمية متابعة التحرك فى اتجاه ما سبق وأن تحدث به يوم 9 أكتوبر وأننا يجب أن نتسلح بالمرونة فى تفكيرنا ولا نمانع فى اللقاء مع الإسرائيليين بشكل مباشر خاصة وقد أبرحناهم ضرباً.. وأجاب "حافظ إسماعيل" أن ما يقلقه هو سوريا والخسارة التى حلت بها فى الأراضى وكيف يمكن ترضيتها .. كذلك فإن الدول العربية التى سارعت بالمشاركة فى القتال بوحدات صغيرة سوف تمثل هى الأخرى مشكلة يجب التعامل والتفاعل مها.

وأعود الآن إلى زيارة "كاسيجين" وجلساته الممتدة مع "الرئيس السادات" بمفردهما وبهدف الاتفاق ليس فقط على شكل التنسيق السياسى المصرى السوفيتى المشترك على مستوى الاتصالات مع الأمريكيين وعلى مستوى مجلس الأمن، ولكن أيضاً للتفاهم على ما سوف يقوم السوفييت بإمدادنا به من معدات وأسلحة. وأتذكر قراءاتى لأحد محاضر مقابلات "الرئيس" مع

"السفير السوفيتى" بالقاهرة فى اليوم السابق لزيارة "كاسيجين" قوله للسفير "أرجو أن تخطر صديقى اليكسى "كاسيجين" أن يعد نفسه ويفتح جيوبه وسوف أضع يدى فيها وأغترف مما بها من معدات وأسلحة وكل احتياجات قواتنا.

وجاء التفاهم المصرى/ السوفيتى فى نهاية هذا اللقاء بين "السادات" و"كاسيجين" والذى غادر القاهرة يوم 19 أكتوبر مع بدء تهديد حاد للوضع العسكرى المصرى، وبحيث يقوم السوفييت بالسعى مع الأمريكيين للاتفاق على تحرك سوفيتى/ أمريكى مشترك لوقف إطلاق النار مع بدء انسحاب إسرائيل فور تحقق وقف إطلاق النار مع بدء انسحاب إسرائيل فور تحقق وقف إطلاق تنفيذاً للقرار 242 مع الحصول على ضمانات أمريكية/ سوفيتية مشتركة لتنفيذ كل عناصر هذا التفاهم.

وفور وصول "كاسيجين" إلى موسكو قام بطلب قيام الأمريكيين بإيفاد "كيسنجر" إلى العاصمة السوفيتية بشكل فورى للتشاور حول ما يمكن لهما القيام به سوياً للسيطرة على الاقتتال ووقفه والتحرك فى اتجاه تسوية مرضية ومؤتمر دولى وأجد من الضرورى فى هذا السياق الذى سيطر عليه العمل الدبلوماسى أن أعود إلى تناول الوضع العسكرى الذى بدأ يتطور بشكل أشر إلى وجود أخطار فى تقليص نجاحنا المحقق حتى هذه اللحظة من الصدام.

وأقرأ فى يومياتى من نفس يوم الثلاثاء 16 أكتوبر الساعة 1710 "العدو يقوم باختراق بين ج2 ج3 ويدفع بقوات برمائية عبر البحيرات المارة فى مواجهة منطقة الدفرسوار ويهاجم الضفة الغربية للقناة بهدف تدمير المعابر الخاصة بقواتنا وبطاريات الصواريخ المضادة للطائرات والتى تعوق حرية الحركة لمقاتلاته القاذفة فى التصدى لقواتنا/ قواتنا المدرعة وأساساً الفرقة 21 المدرعة تهاجمه بعنف حتى الساعة 14:00 من اليوم/ سنفقد المبادأة بسبب جمودنا الحالى/ يجب أن نتحرك بسرعة وإلا سنخسر كثيراً/ ماذا يهدف العدو بعملياته هذه/ هل تطوير هجوم فى الغرب.. ربما/ أشعر بالضيق الشديد بسبب نشاط زائد للعدو وهو ما تسببنا فيه بعدم حركتنا".

وأعود إلى اليوميات الساعة 1500 من يوم الأربعاء 17 أكتوبر وقد تضمنت قولى "سكوت مريب/ القتال عنيف جداً فى محور الفرقة المشاه 16 من الجيش الثانى/ لا بيانات ولا أخبار أو

إبلاغات/ هل يرغب العدو بعملياته تحقيق ثغرة على الضفتين الشرقية والغربية للقناة/ يجب وبسرعة قتل قواته فى الغرب وحتى لا يكرر المحاولة .. يجب قتل قواته وليس الأسر.. القتل/ من الواضح أن العدو قد بدأ معركة مصر رغم أنه لم ينه معركة سوريا ولن يتمكن من إنهائها ومن ثم لا يتصور أنه يستطيع أن ينهى بنجاح معركة مصر".

وقد اطلعت بعد كتابة هذا التقييم بسنوات طويلة على مستند بريطانى رسمى تناول هذه الفترة من الصدام وحيث جاء بالتقرير البريطانى المعروض على رئيس الوزراء البريطانى الساعة 1130 يوم الثلاثاء 16 عام 73 أن الأغلب أن تحاول القوات الإسرائيلية فى سوريا الوقوف على مواقع تهدد دمشق ولكن فى نفس الوقت تمكن الإسرائيليون من الدفاع عنها بقوات أقل وبما يتيح للإسرائيليون نقل قواتهم إلى جبهة سيناء.

وبطبيعة الحال لم أكن على إطلاع بأن إسرائيل ستقوم فى الأيام التالية بنقل الجزء الأعظم من قواتها للتعرض للقوات المصرية فى جبهة القناة.

واستمر القتال فى الأيام الحرجة التالية وتضمنت اليوميات السعة 0800 من صباح الخميس 18 أكتوبر "معركة الأمس كانت حرجة للغاية- العدو يهدف إلى إقامة رأس جسر له على الجانب الغربى للبحيرات وضرب الجيش/ قواتنا المدرعة تضربه فى أجنابه" ونصل فى اليوميات إلى الساعة 0100 من يوم الجمعة 19 أكتوبر لكى أكتب "لقد فقدنا المبادأة وسندفع الثمن/ من الواضح أن للعدو فعلاً قوات كبيرة قادرة على التعامل معنا فى الغرب من القناة/ المستشار مع ذلك واثق من نجاحنا فى الصدام العسكرى/ يجب أن نضرب رأس الجسر الإسرائيلى ثم نضرب الاختراق فى الشرق/ يجب أن ننتزع المبادأة بالعمل الفعال النشط وإلا تدهور الموقف وقد نضطر بالتالى إما إلى سحب الجيش من سيناء لمواجهة الاختراق فى الغرب أو خسرانه.

وتصل اليوميات بعد ذلك إلى الساعة 1700 من نفس يوم الجمعة 19 أكتوبر واكتب "تحاول إسرائيل إما الحصول على مجرد رأس جسر وانتظار وقف إطلاق النار .. أى أن إسرائيل لم تهزم. أو أن تعمل على تطويق الجيش الثانى.. وهذه عملية صعبة للغاية وتحتاج للكثير من الجهد ولا أعتقد أن لإسرائيل قدراً مناسباً من القوات لتحقيق هذا الهدف/ يقول "المستشار" فى أحاديثه معنا أن أمريكا وإسرائيل يعملان على خروج الجميع متساويين ومن ثم يسهل التوصل

إلى تسوية تالية/"حافظ إسماعيل" لا يزال متفائلاً ويفكر فى الكيفية التى سنحقق بها وقف إطلاق النار حسب الاتفاق مع "كاسيجين" والعمل على الفصل بين القوات وأسلوب تنفيذ ذلك وكيف سنتناول رأس الجسر الإسرائيلى فى الغرب مع وقف إطلاق النار.

وتصل اليوميات إلى اللحظات الحرجة يوم السبت 10 أكتوبر وأكتب "قواتنا تسعى لإغلاق ثغرة الاختراق من الشرق والغرب معاً وتتعرض لخسائر رهيبة ولكنها تقاتل بشراسة متناهية".

ونقترب بعد ذلك وخلال اليومين التاليين وبسرعة إلى قبول وقف إطلاق النار وأكتب الساعة 0815 من الأحد 21 أكتوبر "حضر أشرف مروان" للقاء "حافظ إسماعيل" الساعة 0200 من فجر هذا اليوم واصطحبه إلى "الرئيس" ثم عاد بعد فترة وجيزة وطلب "مستشار الأمن القومى" قيام وكيل المخابرات العامة رفعت حسنين" باستدعاء ممثل المخابرات المركزية بالقاهرة لإبلاغه بإرسال رسالة إلى "كيسنجر" فى موسكو بموافقة مصر على وقف إطلاق النار على الخطوط الحالية وعقد مؤتمر سلام فورى بضمان أمريكى/ سوفيتى بتحقق هذا الوقف للاقتتال وانسحاب إسرائيل/ من الواضح أن الموقف العسكرى الصعب قد فرض هذا القرار/ أبلغنا المستشار/ حافظ إسماعيل أن القائد العام وبعد أن قام "الرئيس السادات بزيارة مقر العمليات والتأكد من خطط المواجهة مع الاختراق الإسرائيلى، اختلى بالرئيس وحيث أبلغه أنه يحتاج للمزيد من الاحتياطات والتى يتطلب إعدادها وتجهيزها وقتاً ولكى نعاود الصدام المسلح مع الإسرائيليين فى الشرق والغرب من القناة، من هنا فإن "أحمد إسماعيل على" لا يمانع من التوصل الآن إلى وقف لإطلاق النار لتحقيق بناء المزيد من القدرات والاحتياطات" وأضفت فى اليوميات أن وقف إطلاق النار قد يتم بعد حوالى ثلاثة أيام والمتصور أن إسرائيل ستقبل هى الأخرى بذلك، ولاشك أن الأمريكيين سيهتمون وبسرعة بوقف القتال على الخطوط الحالية وبحيث تكون مصر فى سيناء وإسرائيل فى الغرب من القناة ومن ثم تحقيق التوازن الذى يسعى "كسينجر" لتحقيقه وبحيث يتم تسهيل العمل الدبلوماسى والتوصل إلى التسوية.

وخلاصة القول ومثلما رأيتها منذ 37 عاماً، وتعزز اقتناعى بها عندما عاودت الاطلاع على ما كتبته عندئذ وما كتب من قبل آخرين، فى مقدمتهم "حافظ إسماعيل" مستشار الأمن القومى.. إن إجهاض تطوير الهجوم نحو مداخل الممرات بسيناء يوم 14 أكتوبر وخسائرنا الفادحة فى ذلك اليوم.. أتاح لإسرائيل فرصة الهجوم المضاد وتحقيق ثغرة فى دفاعات قواتنا فى الشرق ثم الوثوب إلى الفضاء المصرى الخالى من القوات فى الغرب وتحقيق هذا النجاح الذى أثر على علاقات القوى بين الطرفين والتوازن العسكرى بينهما.

ولاشك أن التدخل الأمريكى الكاسح للإمداد لإسرائيل كان له تأثيره الأكبر .. ليس فقط لتحقيق هذا الاختراق .. ولكن أساساً فى تمكين الجيش الإسرائيلى فى التصدى للتطوير المصرى.. وأعتقد أنه ليس ببعيد أيضاً أن خفوت القتال على الجبهة السورية فى الفترة من 13 حتى صدور قرار وقف إطلاق النار فى 22 أكتوبر كان له أثره فى إتاحة الفرصة للإسرائيليين بتحريك قواتهم إلى الجنوب نحو سيناء وهو ما كشفت عنه تطورات المعركة من ناحية وأكدته التقارير الدولية من ناحية أخرى وهو الأمر الذى سوف تتناوله المقالات القادمة إنشاء الله.

ويبقى أن نقص الاحتياطات الفاعلة المصرية كان له أثره فى إتاحة الفرصة للإسرائيليين بالتحرك الناجح فى الغرب وتوسيع أثار التهديد للقوات المصرية.. ومع ذلك يبقى أن نؤكد أن قوة الأداء العسكرى المصرى وصلابته وتصميمه فى استمرار الضغط على الإسرائيليين فى غرب القناة وشرقها والكمائن ذات التأثير القاسى على الإسرائيليين والخسائر الكبيرة التى حلت بهم فى هذه المنطقة كان لها أيضاً ثقلها فى وصول القيادة الإسرائيلية إلى الخلاصة بأن أقصى ما سوف يمكنهم تحقيقه هو إقامة قدر من التوازن مع مصر وبما يفتح الطريق لمفاوضات نشطة للتسوية.

لقد ناور "كيسنجر" والجانب الأمريكى لكى يصل الوضع بين الجيشين إلى هذه النتيجة وبحيث يتحرر الجانبان من عواقب إحساس أحدهما بهزيمته من الآخر وبما فتح فعلاً الطريق إلى هذا النشاط الدبلوماسى والسياسى فى الفترة التالية لوقف القتال.. والمؤكد أيضاً هنا أنه ينبغى الإشارة إلى أن النجاح الاستراتيجى المصرى كان هو الأساس فى تحريك الأوضاع وإعادة التوازن الاستراتيجى فى الشرق الأوسط بين مصر وسوريا من ناحية، وإسرائيل على الجانب الآخر. وبما أدى إلى انزواء تأثير هزيمة 67 إلى حد كبير فى علاقات الطرفين بعضهما البعض.

ويبقى أن أملى كبير فى أن أتابع الكتابة فى هذا الموضوع وأستعرض هذه الفترة بالغة الصعوبة التى اتسمت بها الأوضاع العسكرية والدبلوماسية فيما بين 21 أكتوبر وحتى 28 أكتوبر، يوم توقف القتال فعلاً .. كما آمل مواصلة تحليل الكثير من العناصر التى فرضت ثقلها علينا وعلى القيادتين السياسية والعسكرية للحرب وخلاصتها الاستراتيجية النهائية الناجحة.