كلمة السيد وزير الخارجية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمى للأمم المتحدة
 
المصدر: 
تاريخ الصدور:   24/10/2005
 
 
 
 


القى السيد السفير/د. محمد شعبان كلمة نيابة عن السيد وزير الخارجية فى احتفال الجمعية المصرية للأمم المتحدة باليوم العالمى للأمم المتحدة . وفيما يلى نص الكلمة التى القاهها سيادته:

 

السيد الدكتور عبد الأحد جمال الدين

رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة

 

السيدات والسادة أعضاء الجمعية

السيدات والسادة الحضور

 

يسعدنى المشاركة اليوم فى احتفال الجمعية المصرية للأمم المتحدة باليوم العالمى للأمم المتحدة، وإلقاء كلمة بالنيابة عن السيد / أحمد أبو الغيط وزير الخارجية أمام جمعيتكم الموقرة بهذه المناسبة.

 

"يشهد عالمُنا منذ عدة سنوات سلسلةً من التحديات المعقدة والصراعات الداخلية والخارجية، مثّلت تراجعاً كبيراً عن التوقعات المتفائلةِ التى كانت تأملُ فى خلق عالم يتسم بعلاقات متوازنةً ومتكافئة بين الدول، عالمٍ يسوده السلامُ والأمنُ والتعاونُ بين الشعوب فى مختلف المجالات، ولكن للأسف مازال عالمُنا يعانى من مشاكلَ كبرى مثل الحروب، والأزمات السياسية، والفقر، والجوع، والإرهاب، وهو الأمرُ الذى أثار الكثيرَ من الشكوك والجدلِ حول الأمم المتحدة وفاعليةِ دور تلك المنظمة التى كانت نتاجَ تجربةٍ مأساوية عاشها العالمُ فى النصف الأول من القرن الماضى، واستخلص منها دروساً حول ضرورة العمل الجماعى لمنع الحروب، والتعاون من أجل بناء مستقبل أفضل.

 ومصرُ كعضوٍ مؤسسٍ لهذه المنظمة العريقة كانت دائماً وما تزال من بين الدول التى تطالب دائماً بضرورة تطبيق القانون الدولى عند التعامل مع كافة المشكلات الدولية. كما حرصت مصرُ دائماً على السعى إلى العمل بنشاطٍ فى كافة إطارات منظومة الأمم المتحدة. لذا فإنّ الأسلوبَ الأمثلَ لمواجهة تلك التحديات فى تقديرنا هو التعاونُ داخل الأمم المتحدة بروح تبحث عن التوافق والتعاون، وليس التصارع والانقسام. إنّ الالتزامَ بالميثاق والقانون الدولى هو صمامُ الأمنِ للمجتمع الدولى بأسره، فالأممُ المتحدةُ ينبغى أن تشملَ إسهاماتُها كافةَ أبعادِ الأجندة الدولية الواسعة والمتشابكة، ولا يمكنُ مواجهةُ تحدياتٍ جسام مثل مكافحة الإرهاب إلا من خلال العمل المنسق الذى تتضافر فيه جهودُ كافة دول العالم.  

من هذا المنطلق، أكدت الأحداثُ التى شهدها العالمُ خلال الفترة الماضية حتميةَ تكاتفِ المجتمع الدولى، وتضافرَ الجهود الدولية لمكافحة واجتثاث سرطان الإرهاب الذي يمثّلُ أخطرَ التحديات التى تواجه كافةَ شعوب العالم وثقافاتها، فمنذ أحداث نيويورك وواشنطن قبل أربع سنوات وحتى الآن، وقعَ عددٌ كبيرٌ من جرائم الإرهاب فى مدريد واسطنبول والرياض وطابا ولندن، ومؤخراً فى شرم الشيخ مدينة السلام، حيث استهدفت تلك الضرباتُ الإجراميةُ قتلَ المدنيين الأبرياء فى قلب المدن، والمنتجعات السياحية، ووسائل الموصلات.

 

وكانت مصرُ من أوائل الدول التى تنبهت لخطورة تفشى خطر الإرهاب الذي لا يعرفُ وطناً أو حدوداّ أو ديانةً أو عِرقاً, ونادت بمكافحة هذا الخطر منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، عندما أطلق الرئيس حسنى مبارك مبادرتَه عام 1986 بالدعوة إلى عقد مؤتمرٍ دولى تحت مظلة الأمم المتحدة لبحث سبل مكافحة ظاهرة الإرهاب.

 السيدات والسادة

أنه لمن المناسب، بل ومن الضروري كما شاهدنا فى أعمال الدورة الستين للجمعية العامة أن تحتلَ مسألةُ إصلاحِ وتدعيم المنظمة وتحسينِ أدائها موقعَ الصدارة على قائمة أولوياتنا. فعلى مدى العقود الستة التى هى عمر المنظمة، كانت الأمم المتحدة – على الرغم مما حققته من إنجازات- محط انتقاد دائم يغفَلُ حقيقةً أساسية مَفادُها أنّ المنظمة الدولية ما هى إلا نتاجُ ما يريده مجموعُ الدول الأعضاء فيها لها أن تكون، وأنّ مجالَ وحريةَ تحركها إنما يتحدد بقدر الفاعلية التى يختار الأعضاءُ إتاحته لها، وبقدرِ العمل الجماعى داخلها لتحقيق أهدافها ومقاصدها، بعيداً عن محاولات البعض توجيه المنظمة وجهةً بعينها، أو سعى آخرين إلى تحقيق أهدافٍ محليةٍ أنانية، أو محاولة فئةٍ ثالثة الافتئاتِ على حقوق الأعضاء الآخرين من خلال ممارساتٍ أبعدَ ما تكون عن السلوك الديمقراطى الجماعى الذى هو عصب عمل المنظمة.

 

من هنا كانت الدعوةُ المتكررة لإصلاح الأمم المتحدة هى - فى حقيقة الأمر – دعوةً لإصلاح أنفسنا. فنحن – كأعضاء فى المجتمع الدولي – مطالَبون بأن نُعْلىَ من قيمة المصلحة الجماعية، وأن نتحرى قدراً أكبر من الشفافية والمكاشفة، وأن نُعْملَ قواعدَ المحاسبة فى تناولنا للموضوعات التى تُهِم شعوبنا وتَهُمُّها، تحقيقاً للأهداف والغايات التى من أجلها كان إطلاق فكرة إنشاء هذه المنظمة فى المقام الأول.

وانطلاقاً من إيمان مصر بالمكانة التى تحتلها الأممُ المتحدة فى عالمِنا، والدورِ المحوري الذى باتت تلعبُه فى خلق وعىٍ إنسانى بالقيم التى أُنشئت من أجل إعلائها، كان دعمُنا المستمرُ لكافة الجهود الدولية الرامية إلى تحسين أداء المنظمة الذى يواكبه إصلاحٌ هيكلىٌ يسمح – ضمن أمور أخرى- بتمثيلِ واقع مجتمعنا الدولى الحالى فى أروقة المنظمة ومن خلال أجهزتها.

تدرك مصرُ خطورةَ هذه المهمة التى ألقتها الظروفُ التاريخيةُ على عاتقِ هذا الجيل، كما أننا ندرك الصعوباتِ التى تكتنفُ القيامَ بمثل هذه المهمة، نظراً لما يتطلبه ذلك من فهمٍ عميق لمستجدات العصر الذى نحياه، والتحدياتِ التى طرأت عليه، واستشرافِ ما قد يواجهنا فى المستقبل القريب من مشكلات ومصاعب، بالإضافة إلى قدرٍ من اتساع الأفق والخيال يُتيحُ لنا وضعَ تصورٍ جديد لمنظمة تكون أكثر ملاءمة للحاضر، وأكثر قدرة على التواؤم مع المستقبل.

وليس بخافٍ على أىٍ منا احتدامُ النقاشِ الدائر بشأن أهمية المضى قدماً على طريق توسيع مجلس الأمن، وتحسينِ أدائه وأسلوبِ عمله، والعقباتُ التى تواجهُ المجتمعُ الدولى فى التوصل إلى صيغةٍ لتوسيع المجلس تسمحُ بتمثيلِ كافة المجموعات الجغرافية، والثقافات العالمية تمثيلاً متوازناً يتيحُ لها القدرةَ على التأثير فى مجريات عالم اليوم متشابكِ الأطراف، وأن يكون هذا التمثيلُ من خلال دولٍ تُدرك تبعات المهمة التى تُلقى على عاتقها بعضويتها فى المجلس، وتكون قادرةً على تحمل مسئولياتها تجاه المجموعات التى تمثّلُها من ناحية، وإزاء المجتمع الدولى والتاريخ الإنسانى من ناحية أخرى.

من هذا المنطلق، يجيئُ تأكيدُ مصرَ المستمرُ على اهتمامها الكبير بهذه القضية المحورية، وبدفع العمل الجماعى فى المجموعات التى تنتمى إليها، وتعمل من خلالها صوب التوصل إلى مقترحاتٍ وصيغ لحلول موضوعية تضمن تحقيقَ مثل هذا التوازن الدقيق بين المساواة والفاعلية، كما يأتى استعدادُها لتحمّلِ مسئولياتِها كاملةً بوصفها الدولةَ الرائدةَ فى محيطها الإقليمي، وَفقاً للأطر والمواقف الجماعية التى تشارك بفعالية فى تشكيلها من خلال المجموعة الأفريقية، التى كان لها السبقُ على غيرها من المجموعات الجغرافية فى الخروج بصيغة لتوسيع المجلس بفئتيه الدائمة وغير الدائمة، تسمحُ بتحقيق المساواة، دون الإخلال بفعالية المجلس الذى يتطلّبُ من المقومات ما قد لا يتوافرُ لكافة الدول التى لا غنى عنها لأعضاء المجلس الموكلِ لهم مهمةَ الحفاظ على السلم والأمن الدوليين نيابة عن المجتمع الدولى بأسره.

 

وفى هذا السياق، يواجه الأمنُ الجماعى الدولى عدداً كبيراً من المخاطر نتيجةَ تفشى بؤر الصراعات المركّبة طويلةِ الأمد، التى يصاحبها شعورٌ بالإحباط واليأس من إمكانية التوصل إلى تسوية عادلة تضمنُ الحقوقَ المشروعةَ لكافة الأطراف، وهو الأمرُ الذى يؤدى إلى دائرةٍ مفرغةٍ من العنفِ وقتل المدنيين الأبرياء. وعندما بدأت مصرُ مسيرةَ السلام فى الشرق الأوسط، كانت دائما عازمةً على المساهمةِ الفعّالة النشطةِ لتحقيق هذه الأهداف لكى يصبحُ السلامُ فى منطقة الشرق الأوسط شاملاً ودائماً وعادلاً، ولكى تلتفت شعوبُ المنطقة إلى التعاون والبناء، وتحقيق الرخاء.

 السيدات والسادة

 إن مصرَ، ومن واقع انتمائها الأفريقي، تُولى أهميةً خاصة لقضايا إحلال السلام والأمن وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى أفريقيا، والارتقاءِ بمعدلات التنمية البشرية فى هذه القارة، والتى على الرغم مما بذله ويبذله أبناؤها من جهود لتسريع وتيرة التنمية فيها، فما يزال ملايينُ الأفارقة يعيشون فى حرمان وفقر ومرض، وهو أمرٌ شديدُ الخطورة لو استمر دون علاج ناجع، وهو فى رأينا يستدعى تحركَ الأسرةِ الدولية فى إطار الأمم المتحدة من أجل اجتثاث أسباب الصراعات والتخلف، وتهيئة مناخٍ وبيئةٍ دافعة للتنمية والتقدم.

 لذا تدعو مصر المجتمع الدولى، وخاصة الدول المتقدمة، للاضطلاع بمسئولياتها فى مختلف المجالات ومنها الدعمُ الاقتصادى لأفريقيا من خلال إلغاء الديون المستحقة على الدول الأفريقية، وزيادةُ معدلات مساعدات التنمية الرسمية إلى المستويات المرجوة، وفتحُ الأسواق بشكل عملى وواقعى أمام منتجات الدول الأفريقية، وتقديمُ مساندةٍ جادةٍ وحقيقية للجهود الأفريقية المتمثلة فى مبادرة المشاركة الجديدة لتنمية أفريقيا ( نيباد)، ومسيرةِ التكامل الإقليمى. خاصة وأن العديدَ من الدول الأفريقية قد قطعت شوطاً طويلاً فى مجال تطبيق إصلاحاتٍ اقتصاديةٍ ومؤسسيةٍ تستوجب التقديرَ والمساندةَ من جانب المجتمع الدولى.

  وفيما يتعلق بتعزيز وحماية حقوق الإنسان، فلقد استمر اهتمامُ مصر ثابتاً وأصيلاً حيث تواصلت المساهمةُ المصريةُ النشيطة فى كافة أجهزة الأمم المتحدة المعنية بهذه الموضوعات مثل لجنة حقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والإجتماعي، واللجنة الثالثة للجمعية العامة. وقد دفع إيمانُ مصر بعالمية حقوق الإنسان، وضرورةِ نشر مبادئها الإنسانية النبيلة، إلى المبادرة بتقديمِ مشروعِ قرار خلال الدورة الماضية للجنة حقوق الإنسان لحماية حقوق المدنيين خلال النزاعات المسلحة حيث اعتمدته اللجنةُ، ثم المجلسُ الاقتصادي والاجتماعي بأغلبية ساحقة، الأمرَ الذي يمثّلُ إشادةً دوليةً واضحة بموضوعية الرؤية المصرية لقضايا حقوق الإنسان.

 

ومن هذا المنطلق، تؤيد مصر الجهود الحالية لإصلاح منظمتنا الدولية لزيادة دورها فى تعزيز وحماية حقوق الإنسان بمختلف الدول، ورفع مستوى تناول الأمم المتحدة لهذه الحقوق من خلال إنشاء هيئة معنية بذلك تابعة مباشرة للجمعية العامة. ويضمن هذا الدورُ المتنامي للأمم المتحدة أوسعَ مشاركةٍ ممكنة فى مناقشة مسائل حقوق الإنسان دون تخوف من أي محاولاتِ ضغطٍ خارجي، أو من استغلال شعارات نبيلة لتحقيق أهداف سياسية. ونؤكّدُ في هذا الخصوص على ضرورة  تدعيم دور الأمم المتحدة للتعاون الفنى في مجال حقوق الإنسان، والوفاء بالحق في التنمية باعتباره حقاً من حقوق الإنسان يتطلبُ تحقيقُه وضعَ سياساتٍ وطنيةٍ ودوليةٍ رشيدة.

 السيدات والسادة

 إن الاستقرارَ الدولي لن يتحقق، والجهودَ المستمرةَ للأسرة الدولية لحماية السلم والأمن الدوليين وضبط التسلح على المستوى الدولي لن تكتمل وتثمر إلا من خلال التناولِ المسؤولِ للمجتمع الدولي، وبوجودِ منظومةٍ دوليةٍ قويةٍ وراسخةِ المبادئ لمجابهة خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، وعلى رأسها الأسلحةُ النووية.

 

والحق أنّ هذه المنظومة تواجه اليوم عدداً من التحديات الخطيرة التي تهددُ بنسف الأسس التي ترتكز عليها، فلا يخفى أنّ نظامَ نزع السلاح وعدم الانتشار النووي يعتمد على توازنٍ دقيقٍ تعكسه بالأساس معاهدةُ عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تشكّلُ بالنسبة لمصر قاعدةً صلبة إرتكز عليها أمنُها الإستراتيجي على مدى عقود.

 

ومن المقلق أن نرصدَ اليوم اتجاهاً متزايداً من قِبلِ عددٍ من الأطرافِ الدولية للإخلال بهذا التوازن من خلال محاولة التنصلِ من التزاماتها الدولية طبقا للمعاهدة، والسعيِ لاستبدالِ المبادئ والمنظومات القانونية الدولية متعددةِ الأطراف التي يتأسس عليها هذا التوازن بقواعدَ مستحدثةٍ تتجاهلُ هذه المبادئ، وتفرضُ أولوياتٍ جديدةً على الأجندة الدولية في هذا الصدد.

 

السيدات والسادة

لقد أقرّت القمةُ العالميةُ للأمم المتحدة فى اجتماعها رفيع المستوى يوم 16 سبتمبر الماضى وثيقةَ نتائج القمة العالمية لعام 2005، وفيها أكّد قادةُ وزعماءُ العالم مجدداً إيمانَهم بالأمم المتحدة، والتزامَهم بمقاصد ومبادىء الميثاق، والقانون الدولى التى تُمثّلُ أُسساً لا غنى عنها لإرساءِ قواعد عالمٍ أكثر سلماً وازدهاراً وعدلاً، وعقدوا العزمَ على إحلالِ سلامٍ عادلٍ ودائم فى جميع أنحاء العالم، وأكدوا من جديد تكريسَ أنفسهم لمؤازرة جميع الجهود الرامية إلى احترام تساوى جميع الدول فى السيادة، واحترامِ وحدةِ أراضيها، واستقلالِها السياسى، والامتناع فى العلاقات الدولية عن التهديد باستعمال القوة، واحترامِ حقِ الشعوب التى لا تزال تحت السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبى فى تقرير مصيرها، وعدمِ التدخّل فى الشئون الداخلية للدول.

 

كما عقد قادةُ العالم العزمَ على تهيئةِ عالمٍ أكثر سلماً ورخاءً وديمقراطية، وعلى اتخاذِ خطوات ملموسةٍ بُغية ايجادِ حلول متعددةِ الأطراف فى مجالات التنمية والسلام والأمن الجماعى، وحقوق الانسان وسيادة القانون، وتعزيزِ دور الأمم المتحدة.

 

ونأملُ ونحن نحتفلُ باليوم العالمى للأمم المتحدة أن تَصْدُقَ كافةُ الدولِ وعودَها، وأن تعملَ معاً فى سبيل تحقيقِ أهداف الألفية، وأن تفى بتعهداتها التى قطعتها على نفسها فى وثيقة نتائج القمة العالمية، وفى مقدمتها تفعيل دورِ الأمم المتحدة فى معالجة قضايا السلم والأمن الدوليين، والتنمية، ومكافحة الإرهاب، وحل النزاعات الإقليمية القائمة".

 

 **