مشكلة الألغام الأرضية في مصر و الموقف منها
 
المصدر: 
تاريخ الصدور:   27/07/2006
 
 
 
 


مشكلة الألغام الأرضية في مصر و الموقف منها

أولا: مشكلة الألغام في مصر:

1.           تأخذ مشكلة الألغام في مصر حجما وبعدا بالغي الأهمية والخصوصية معا، حيث إن مصر تعد من أكثر دول العالم تضرراً من الألغام والآثار المترتبة عليها،  من خسائر في أرواح الآلاف من المدنيين، وإعاقة تحقيق الاستفادة المثلي من كافة الموارد المتاحة في المناطق التي توجد بها. فهناك ما يربو علي 22,7 مليون لغم وأجسام أخرى قابلة للانفجار تم زرعها علي الأراضي المصرية إبان الحرب العالمية الثانية، مما يمثل ما يزيد عن 20 % من إجمالي الألغام المزروعة في العالم، ومنها حوالي 17,2 مليون بمنطقة العلمين بالصحراء الغربية. ورغم ضخامة هذا العدد فلا يجب إغفال أن القوات المسلحة المصرية قامت وحدها بتطهير 3 مليون لغم من مساحة 38730 هكتار في الصحراء الغربية منذ عام 1981 حتى الآن بتكلفة تقدر بحوالي 27 مليون دولار.

 

2.           هذه الكميات الهائلة من الألغام والتي تغطي مساحة حوالي 248 ألف هكتار، يتطلب الكشف عن مواقعها و إزالتها موارد مالية طائلة، وهي بذلك تمثل أحد أكبر العقبات أمام تحقيق طفرة تنموية في المناطق التي توجد بها سواء من خلال استصلاح الأراضي لأغراض زراعية أو استغلالها لأغراض الجذب السياحي أو استكشاف الثروات المعدنية بها. فقد أدى تواجد تلك الألغام والأجسام القابلة للانفجار إلى العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لمصر حيث تسبب وجود الألغام في عدم استفادة مصر على مدى أكثر من 60 عاما من مناطق واعدة مزروعة بالألغام وتوقف استصلاح حوالي مليون فدان صالحة للزراعة و عرقلة تنفيذ العديد من المشروعات القومية منها مشروع منخفض القطارة، وهو مشروع يعادل مشروع السد العالي في أهميته وفوائده. كما أن المنطقة المزروعة بالألغام (وخاصة منطقة الساحل الشمالي الغربي) تتمتع بثروات بترولية وتعدينية هائلةمن البترول و ألغاز الطبيعي. وقد أدت مشكلة الألغام إلى مساهمة منطقة الساحل الشمالي الغربي حاليا بنسبة 14 % فقط من الإنتاج الكلي من البترول والغاز الطبيعي في مصر، كما يتوافر بالمنطقة مخزون كبير من المعادن التي يتم استيرادها حاليا وما يتيحه هذا المخزون من اكتفاء ذاتي وإمكانية التصدير. وتمثل المنطقة التي تتركز بها الألغام أحد مراكز الجذب السكاني والخروج من الوادي الضيق وخلق مجتمع تنموي جديد بين الإسكندرية ومطروح. كما تعيق الألغام إمكانية الاستفادة من القدرات السياحية الهائلة المتوفرة بالمنطقة، والتي توفرها المحميات الطبيعية والطبيعة المعتدلة للمناخ، بالإضافة إلى سياحة الصحاري والواحات.

 

3.           كما أن هناك بعدا إنسانيا هاما لمشكلة الألغام في مصر حيث تسببت في إحداث وفيات وإصابات بالغة لأهالي المناطق المتضررة. وتشير البيانات إلى أن إجمالي الخسائر البشرية منذ عام 1982 في نطاق الصحراء الغربية بلغت 8313 فرد منهم 696 قتيل و 7617 جريح مصاب بجانب وجود الكثير من الحالات غير المسجلة. كما بلغت الحوادث المسجلة لانفجار الألغام أكثر من 50 حادثة.

 

4.           مع بدء إعداد وزارة الدفاع خطة شاملة لإزالة الألغام في مصر، ظهرت مشكلة رئيسية عند التخطيط لإزالة الألغام في منطقة الصحراء الغربية (الاتجاه الإستراتيجي الشمالي الغربي) وهى النقص الخطير في المعلومات سواء عن مناطق حقول الألغام أو الأنواع المختلفة للألغام أو المناطق المشبوهة والمحتمل أن يتواجد بها مخلفات الحروب، الأمر الذي دعا القوات المسلحة إلى عقد ندوة دولية لإزالة الألغام من الصحراء الغربية في مقر الهيئة الهندسية في مارس 1983 حضرها مندوبي فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا والولايات المتحدة، وقام بعضها بتسليمـنا خرائط/ كروكيات لبعض مناطق حقول الألغام.

 

5.           وقد أعدت وزارة الدفاع خريطة باستخدام الوثائق التي تم استلامها من بعض الدول ومع بدء استطلاع حقول الألغام تبين أن الخرائط والمواقع المسلمة لنا تعكس مساحة أقل كثيرا من الواقع. هذا، ورغم وجود بعض الخرائط التي توضح مواقع الألغام، فقد واجهت القوات المسلحة مصاعب عديدة خلال أعمال الإزالة تمثلت في عدم وجود تسجيلات دقيقة لحقول الألغام، وزيادة حساسية الألغام نتيجة لمرور أكثر من 50 عاما على زرعها، فضلا عن تحركها من أماكنها بتأثير العوامل الجوية، أو تحرك الرمال في بعض المناطق لردمها، الأمر الذي أثبت عدم جدوى الخرائط المتاحة حول الألغام المزروعة في الصحراء الغربية وهو ما أدى إلى زيادة المساحات التي يشتبه في وجود ألغام بها، ومن ثم زيادة تكلفة تطهيرها لتتعدى الإمكانيات الاقتصادية للدولة. وقد حددت القوات المسلحة مطالبها لاستكمال عمليات الإزالة بكفاءة في ضرورة توفير التمويل اللازم لإزالة الألغام وتقديم مكتشفات ألغام حديثة قادرة على كشف الألغام في عمق أكثر من متر وإجراء عمليات مسح (حراري – ليزر – إشعاعي) لمسرح عمليات الحرب العالمية الثانية لتأكيد حدود المناطق الملغمة.

 

6.              كما تجدر الإشارة الى قيام المجلس القومى لحقوق الإنسان، بالتعاون مع البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة بعقد مؤتمر عالمى للتنمية وإزالة الألغام فى منطقة الساحل الشمالى الغربى فى القاهرة خلال الفترة من 27-29/12/2005 ،حيث شاركت وزارة الخارجية  ضمن وزارات أخرى فى معاونة المجلس القومى للاعداد للمؤتمر، وخلص الى عدة توصيات، لعل من أهمها دعوة الدول المتقدمة والمنظمات الدولية الى تزويد مصر بالخبرات والوسائل والأساليب الفنية والتكنولوجيا المتطورة التى تكفل الإسهام الفعال فى عملية تطهير المنطقة من الألغام وإنشاء صندوق مخصص لتطهير الساحل الشمالى الغربى من الألغام على أن يتم تمويله من جانب الدول التى كانت طرفاً محارباً فى الحرب العالمية الثانية، وغيرها من الدول والهيئات والمؤسسات الدولية، ودعوة المنظمات الدولية غير الحكومية للمبادرة في إطلاق حملة دولية  تهدف إلى تعضيد الجهود المصرية لتطهير الساحل الشمالى الغربى من الألغام وإبراز المشكلة  من منظورها الإنسانى والتنموى، كما دعى المشاركون فى المؤتمر مصر لإعادة النظر فى موقفها الرافض للإنضمام لإتفاقية أوتاوا  لمنع الألغام.  

   

ثانيا: جهود وزارة الخارجية في إزالة الألغام:

 

7.           ركزت وزارة الخارجية المصرية منذ أوائل التسعينات على طرح مشكلة الألغام على الساحة الدولية باعتبارها أحد أولويات السياسة الخارجية المصرية. وتقوم البعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج بجهد ملموس لتعريف المجتمع الدولي بالأبعاد المختلفة لمشكلة الألغام في مصر والعمل على طرحها في كافة المحافل الدولية.

 

8.           وقد أسفرت جهود بعثات مصر في الخارج عن توفير مساعدات رمزية من المملكة المتحدة و ألمانيا و فرنسا كما تجري حاليا اتصالات مع الجانب الياباني لبحث إمكانية مساعدتهم لمصر في مجال إزالة الألغام، حيث قام وفد من جامعة كيوشو اليابانية بزيارة إلى مصر لتجربة احدث المعدات التكنولوجية الخاصة بالكشف على الألغام في الأراضي المصرية وذلك بالتعاون مع القوات المسلحة.

 

9.           وفي ضوء قلة المساعدات التي تلقتها مصر مقارنة بحجم مشكلة الألغام، طورت وزارة الخارجية الموقف المصري تجاه المشكلة لتقوم بطرحه بصورة تعكس أبعادها المختلفة، بحيث يتم التركيز على مشكلة الألغام من منظور تنموي وإنساني بدلا من التركيز فقط على مسئولية الدول التي زرعت الألغام عن إزالتها حتى يتسنى الاستفادة من المساعدات التي تقدمها دول أخرى مهتمة بعمليات إزالة الألغام وإن لم تشارك في زرعها، فضلا عن تحفيز الدول الغير معترفة بمسئوليتها عن زراعة الألغام بالمشاركة في تمويل عمليات إزالة الألغام وذلك عن طريق إشراكها في تبني المنظور التنموي الذي يتم من خلاله تناول المسألة وبالتالي الاستثمار في المشروعات التي تمثل إزالة الألغام مكونا من مكونات تكلفتها الاقتصادية التي يتم تقديرها عند إجراء دراسات الجدوى الخاصة بها.

 

10.       أما بالنسبة لمساعي وزارة الخارجية مع المنظمات الدولية، فقد نجحت الوزارة وبالتنسيق مع سكرتارية الأمم المتحدة في ترتيب زيارة لبعثة من الأمم المتحدة لتقييم مشكلة الألغام في مصر Assessment Mission خلال الفترة من 12 إلى 22 فبراير 2000، وضمت البعثة في عضويتها ممثلين من وحدة أنشطة الألغام التابعة لإدارة عمليات حفظ السلام بالأمم المتحدة واليونيسيف وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ومنظمة الصحة العالمية. وقامت البعثة بزيارة منطقتي العلمين والعين السخنة للتعرف على حقيقة مشكلة الألغام وعلى المجهود القومي الذي تقوم به القوات المسلحة المصرية لتطهير تلك المنطقة من الألغام، والتقت بعدد من ضحايا الألغام من المواطنين المصريين، إضافة إلى لقاء البعثة بعدد كبير من الوزراء والمسئولين للتعرف على سياسات تنمية وتطهير المناطق الشمالية والغربية من الألغام واستغلالها في مجالات الزراعة والسياحة والتعدين والبترول. واعدت بعثة الأمم المتحدة تقريراً شاملاً عن مشكلة الألغام في مصر ويعد التقرير إيجابياً بصفة عامة من حيث عرضة لحجم المشكلة وأسبابها ودور الحكومة المصرية والقوات المسلحة في مواجهة المشكلة، وكانت من أهم التوصيات آلتي توصلت إليها  اللجنة:

 

‌أ-               الإشادة بجهود القوات المسلحة المصرية في تطهير المناطق المتضررة.

‌ب-           توصيات محددة بالنسبة للاحتياجات المصرية في القطاعات المختلفة (الصحة، وتأهيل المصابين ...).

‌ج-            أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به المنظمات الدولية والدول المانحة فى تقديم المساعدات الفنية والمالية لإزالة تلك الألغام.

‌د-              التوصية بإنشاء صندوق ائتمانTrust Fund ، بالاشتراك مع الأمم المتحدة، لمعالجة مشكلة الألغام.

 

11. هذا، وأخذا في الاعتبار أن التقرير صدر كوثيقة رسمية عن الأمم المتحدة وهى جهة تتسم بالحياد والموضوعية، قامت وزارة الخارجية بتعميم التقرير على بعثات مصر في الخارج للاستعانة به في طرح مشكلة الألغام في مصر، وذلك بالتنسيق مع نشاط وتوصيات اللجنة القومية للإشراف على إزالة الألغام التي شكلت بموجب قرار السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء رقم 750 لعام 2000 والتي ترأسها  السيدة وزيرة التعاون الدولي - والتي تم تعديل اسمها فيما بعد إلى اللجنة القومية للأشراف على إزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي- وتشمل في عضويتها الوزارات والهيئات الحكومية والمحافظات المعنية ومنظمات العمل الأهلية.  وقد نجحت اللجنة في إنشاء صندوق ائتمان Trust Fund – بالاشتراك مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يهدف إلى مساعدة الحكومة المصرية في برنامجها الخاص بالتنمية وإزالة الألغام، وذلك من خلال تلقى التمويل من الجهات والدول المانحة بالإضافة إلى القطاع الخاص.

 

12. قامت اللجنة القومية بإعداد الاستراتيجية الوطنية للتعامل مع قضية الألغام وتوصلت إلى عدد من التوصيات في الاجتماعات الأخيرة تهدف إلى تفعيل موضوع إزالة الألغام وربطها بقضية التنمية بحيث تكون عملية الإزالة جزء لا يتجزأ من أي مشروع يتم تنفيذه بالمنطقة، وقد قام مجلس الوزراء باعتماد الخطة التي أعدتها اللجنة القومية وهي خطة متكاملة تضم رؤية استراتيجية شاملة وخطط تنموية لمنطقة الساحل الشمالي الغربي حتى عام 2022 بإجمالي استثمارات تصل إلى 60 مليار جنيه مصري وتشمل قائمة متكاملة من المشروعات (صناعية-زراعية-بيئية-سياحية-بنية أساسية-عمران وإسكان- خدمات اجتماعية) ذات الأولوية في نطاق التنمية المختارة بغرض الترويج للاستثمار.

ثالثا: الأطر القانونية الخاصة بمسألة الألغام:

‌أ-    أما فيما يتعلق بالأطر القانونية، فإن مصر لم ولن تأل جهداً في دعم الجهود الدولية التي تستهدف وضع أطر مشروعة وملزمة للمجتمع الدولي تحد من استخدام الألغام المضادة للأفراد. من هذا المنطلق فقد شاركت مصر في كافة الأعمال التحضيرية للتفاوض حول اتفاقية أوتاوا وصياغتها خلال عامي 1996 و1997، وذلك عقب فشل الاتفاق على تطوير البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية حظر الأسلحة التقليدية CCW، ولكنها آثرت عدم الانضمام إليها نظراً لما يشوبها من أوجه قصور في معالجة بعض المسائل الجوهرية المرتبطة بموضوع الألغام والتي تعذر الاتفاق بشأنها ومعالجتها خلال عملية التفاوض. وعلي الرغم من رفض مصر الانضمام إلى الاتفاقية إلا أننا نتفق مع الأهداف الإنسانية التي دعت في الأساس لإبرام هذه الاتفاقية.